كيف لا

مررنا "بإشراقة" الحديقة، وأبناء الجيل الحالي يسألون عن من هي إشراقة، ونرد وكأننا نأتي بالإجابة من زمان سحيق: كانت إشراقة وكان التجاني يوسف بشير (الصوفيّ المعذّب). ولا ينتهي التعريف بمن شغل الوجدان بجمال التعبير والمعاني ودفق المشاعر الصادقة وروح الشاعر المعذبة، لأنّ المشوار كان أقصر كمشوار حياة الشاعر.
مقاربات كثيرة عقدها أدباء العصر الحديث بين الشاعرين التونسي أبو القاسم الشابي والسوداني التجاني يوسف بشير. فاعتمد بعضهم في مقارباته على عمر الشاعرين اللذين ولدا وتوفيا في فترات زمنية متقاربة، فالشابي ولد بتوزر في تونس 1909م وتوفي 1934م بداء في القلب عن عمر لم يتجاوز الخامسة والعشرين. والتجاني ولد في أمدرمان عام 1912م وتوفي 1937م بداء الصدر عن عمر لم يتجاوز الخامسة والعشرين أيضاً.
شاعر الأسى والجمال "الشابي"، لم تغب قصيدته "إرادة الحياة" عن الترديد منذ أن أطلقها وإلى الآن عن الأذهان حكمة مواسية . رآه النقاد شاعراً تحررياً تمرد على زمانه بروحه الراقية وأشعاره المليئة بمعاني الحياة. وألفوا عدداً من الكتب عن مكامن التجديد في شعره منها "كيف نعتبر الشابي مجدداً " للطاهر الهمامي، و"شاعر الحياة والخلود " لهاني الخي . سموه شاعر الأسى والجمال لكن أغلب ما كتب عنه لم يناقش سر هذا الأسى، وبات الكتاب  بإعجابهم الكبير بالشابي في همّ أكبر ومحاولات مستميتة لإبعاد صفة الرومانسية عن شعره وكأنها وصمة تضعف قيمة شعره. وقد كتب من كتب أنّ الشابي ليس رومانسياً حالماً إنما هو شاعر وطني.
ارتبط الوجدان السوداني بالشابي بدءاً من المنهج التعليمي الذي يدرس قصيدته "إرادة الحياة " واستعراض بعض قصائد ديوانه "أغاني الحياة" الذي تجاوز السبعين قصيدة. وتطورت العلاقة فداعب حس الوجدان السوداني المتوهج العاطفة شجو أغنيات لقصائده:" اسكتي يا جراح " التي غناها حمد الريح و"عذبة أنتِ" التي غناها سيد خليفة.
أما التجاني يوسف بشير فقد تعرجت به ظروف الحياة وهو ابن الأسرة العريقة في العلم والدين، ففصله المعهد العلمي بتهمة الكفر ومات عليلاً بداء الصدر. ففي ديوانه "إشراقة " المكون من ثلاث عشرة قصيدة له قصيدة رائجة مغناة هي "أنشودة الجن" التي غناها سيد خليفة. وفي أشعاره المنظومة بلغة عربية رصينة يمكن تلمس آثار تجربة سابقة لأوانها في شكل تنبوءات لاقتران الموت بالحياة ولدها الأسى والحزن والظلم. وحزن التجاني كان يزداد يوماً بعد يوم حتى وصل إلى قلق ممزوج بالشك تسوده توقعات داكنة ولا يخلو من حكمة تفضي إلى ضرورة وجود الأمل في الحياة.
لم يعبر الألم والحزن حياتي الشاعرين بل سكنها حتى قضيا. للتجاني "ملاحن فيها الهوى والألم" وللشابي "أيها الحب أنت سر بلائي"، وفيهما يكاد الحزن يطفر من روحيهما. وفي القصيدتين سر صمود لأرواح كُتب عليها مقابلة قسوة الحياة. ولكل منهما في بعض قصائدهما تنبؤات باقتراب الموت وأسئلة عن سر الحياة والموت. ولكل منهما في قصائدهما عموماً ملاذاً مؤقتاً، يتشاطران فيه نفس الخيال والأفكار التي تنتهي بأسئلة فلسفية تبحث عن الطمأنينة المسلوبة لم يجب عليها زمان الشاعرين ولا أي زمان بعدهما.
"أنا وحدي كنت استجلي من العالَمِ همسَهْ
اسمع الخطرة في الذر وأستبطنُ حسَّهْ
واضطرابُ النور في خفْقتِهِ أسمعُ جرسَهْ
وأرى عيدَ فتى الوردِ واستقبلُ عرسَهْ
وانفعالُ الكرمِ في فقعتِهِ أشهدُ غرسَهْ
ربِّ سبحانَك! إن الكونَ لا يقدر نفسَهْ
صغْتَ من نارِكَ جِنِّيَّهُ ومن نورِك إنْسَهْ".
التجاني يوسف بشير
(عن صحيفة الخرطوم)


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////