كيف لا

لم تكن لتضيرنا معتقدات د. عصام صديق لو أنّها كانت مجرد خواطر يبثها لنفسه وخاصته، ولكن أن تتحول هذه الأفكار والمعتقدات إلى سيف يطبق على رقاب الشعب على شكل نظام " البكور" الذي يتحدى خطوط الطول. وأن تسير على فكرته هذه دولة بأكملها لمدة أربعة عشر عاماً بمؤسساتها العامة والخاصة، خصماً على حياة الشعب ومعاشهم، فهذا مما يتوجب أن يقف عنده كل صاحب عقل ورأي، وإن صمت المسؤولون. فالقضية لا علاقة لها بأمر شخصي كما زعم د. عصام ، لأنّني ببساطة لا أعرفه معرفة شخصية ولم ألتقِ به في حياتي، ولم يجر بيننا أي نوع من أنواع التواصل. وزعمه هذا هو سهم آخر يُضاف إلى السهام التي تنتاش الكتاب الصحفيين وترهبهم وتحاول تكميم أفواههم بشخصنة القضايا وتحويلها من همّ عام إلى حرب خاصة مدعومة بأوهام لا أساس لها من الصحة.
كتبت عن أفكار د. عصام صديق وليس عن شخصه، فهو لم يغب بعد مبادرة البكور في عام 1995م كلياً عن الأنظار وإنّما عاد بمنتجه العجيب "المنّ والكون" في سبتمبر 1999م. لم نسع إليه وإنّما هو من سعى بمنتجه إلينا ووزعه وروج له في مؤتمر إعلامي تم في ذلك الوقت، فتم توزيع المنتج العشبي ومعه كتيب على الحضور. ومدوّن على العبوة "خلطة مسحوق الصمغ العربي وصمغ الطلح السحرية التي تطيل العمر" !
وهذا جزء مما كتبته عام 2009م عن المنّ والسلوى وثمرة الحياة التي وعد د. عصام بها أهل السودان وبأنها ستطيل أعمارهم.
المنّ أو ثمرة الحياة كما سماها وحشد لها د. عصام صديق ما جاء في القرآن والتوراة والإنجيل ليثبت لنا أن المنّ (طعام أهل الجنة) هو نفسه الصمغ العربي أو الهشاب أو الطلح الموجود بغرب السودان. كما قسم أماكن تواجده ما بين الجنة والنار ودارفور. ما ما أهمّني وقتها هو أنّه ربط هذه المادة العلمية بقضايا فلسفية ودينية عميقة وبنى وقائع بمقتضاها وقرّر حقائق في التاريخ الإنساني بخصوصها في حين فشل المؤرخون في  إثباتها.
أولاً ابتدأ في هذا المقام الفلسفي السامي بأن رغبة آدم وحواء كانت في تناول طعام آخر بخلاف سائر ثمار الجنة، التي تتميز بخاصية الخلو من الفضلات عدا الثمرة الوحيدة المحرم عليهم أكلها بسبب وجود الفضلات (التي قد تؤذيهم بالإمساك)، وبما أنّ الله قد تاب عليهم فلا بد أن يهبطوا في بيئة تشبه بيئة الجنة من حيث خلو ثمارها من الفضلات فأكرمهم الله في الهبوط .. أين ؟ في دارفور!
وذهب د. عصام أكثر في التدبر فقال إنّه وجد إشارات لمكان تواجد إبني آدم، هابيل وقابيل وتواجد الغراب الذي علم هابيل كيف يواري سوءة أخيه. وثبت له ذلك بسؤال المؤرخ التراثي زكريا سيف الدين وهو من قبيلة الفور التي تعيش في  سفوح جبل مرة، سأله إن كانت الغربان تتواجد بالجبل، فذُهل د. عصام حين أجابه زكريا بتواجدها بكثرة وزاد بأنها تدل زوار مقابر قدماء الفور التائهين على مواقع مقابر أجدادهم مثلما دلّت حفيد البشر هابيل بالضبط!
وبعد ذلك يدخل د. عصام المهندس الكيميائي في فقه التفسير القرآني، فذكر أن "إهبطوا" في القرآن الكريم ذُكرت لوصف حادثتي نفي آدم وحواء وإبليس لدارفور ومن بعدهم نفي قوم موسى من شمال السودان في جزئها الأقرب لدارفور إلى مصر بسبب ذات الأطعمة والفضلات. ثم كذلك نوح عليه السلام الذي صنع الفلك فقد ثبت له وبما أنّ الفلك هذه تميز بها نوبي السودان، وبما أنّ نوبيات السودان يصحن بقول "يا النبي نوح" كلما رأين عقرباً تقترب فهذا دليل على ترويض السمع الذي ألّف بين الحفيدات النوبيات وأجدادهن في الفلك.
لم يجروء أحد منا على استطعام الخلطة السحرية التي تطيل العمر، ربما لأنّ كتاب الأعمدة المتثاقلين لا يرغبون في العيش رجباً آخر ليروا عجباً أكثر من البكور والمنّ والسلوى وما لم نحط به علماً من أفكار د. عصام صديق ومعتقداته وحده.
(عن صحيفة الخرطوم)


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////