كيف لا

استيقظ ضمير د. عصام صديق متأخراً جداً على عكس خارطته البكورية وذلك بعد أربعة عشر عاماً ليتنصل ويبريء ساحته من تجربة البكور الفاشلة التي ابتدرها في عام 1995م والتي سرقت أعمار ووقت الشعب السوداني المغلوب على أمره. لم يفتح الله على د.عصام بالتبروء من هذه التجربة عندما تم التطبيل لها أوان وجوده بمجلس الوزراء، ولم يحرك ساكناً إبان شغله وظيفة مستشار إقتصادي لرئيس الجمهورية. وبالطبع نسي أو تناسى ذلك عندما شغل منصب وزير دولة للموارد المائية بالسودان 1998-2000م في نفس الحكومة التي يقول عنها الآن أنه رهن بقاءه فيها بشرطين هما تنفيذ سد مروي ومقترح البكور حسب ما أوضح في مقالين تم نشرهما على هذه الصحيفة (الخرطوم).
والسؤال المباشر الذي لم يجب عليه د. عصام أستخرجه من ثنايا مقاله الأول: ماذا كان رد فعله عندما جاءه وزير بالقصر في عام 1999م يزف إليه نبأ إدراج مقترح البكور في أجندة اجتماع القطاع الإقتصادي بمجلس الوزراء، وماذا فعل أكثر من أنه تفاجأ في الاجتماع باقتراح البكور بوسيلة جر الساعة على عكس مطبقه؟ وأين كان عندما سمى كتاب الأعمدة الصحفية الذين نعتهم في مقالتيه "بالنخب المتثاقلة" ذاك النظام ببكور عصام. هل تكفي مقاطعة احتفال تدشين نظام البكور مع الاحتفاظ باللقب؟
وتتوالد أسئلة كثر كان على د. عصام الإجابة عليها في حيثيات دفاعه عن نفسه لتبرئتها بدلاً من عرض البديل، وهي من أين يعلم الناس أنّ هناك مطبقاً آخر ومقترحاً أعظم فائدة ويختلف تماماً عن النظام الذي تم تطبيقه؟ ولماذا ظل المقترح البديل حبيس الأدراج طيلة هذه السنوات التي تعادل عُمراً بأكمله. وقد كان محقاً بنيامين فرانكلين حينما قال "الوقت مال"، وقد كانت على أكمل الصواب عندما نادت جمعية حماية المستهلك بإلغاء تجربة البكور ولكن ليس بمقترح يتم تمريره في مجلس الوزراء ليطبق على الرقاب راضية أم رافضة. ولكن ما فعلته الجمعية أنّها تنادت ومعها مجموعة من الخبراء في مجال التنمية البشرية والخبراء التربويين في ملتقى "تقييم تجربة البكور" لتثبت ضرر التجربة على فئات الشعب خاصة الطلاب.  ولم تكتفِ بذلك وإنما فتحت الباب أمام خيارات عديدة يمكن أن تفضي إلى حلول تساهم في إدارة الوقت بالطريقة المثلى. وجمعية حماية المستهلك وعلى رأسها د. ياسر ميرغني المشهود له بالتصدي لكافة ما يلحق بالمستهلك من أضرار في صحته وماله ووقته لم يقترح تقديم الزمن ولا إرجاعه إلى الوراء لأنه يعلم أنّ أوقية من الذهب لا تشتري شبر بوصة من الزمن كما يقول المثل الصيني. ونحن هنا نشد من أزره لأننا نعلم أنّنا سنحتاج إلى أطنان من الذهب حتى نتمكن من تعويض الأربعة عشر عاماً التي أهدرتها تجربة البكور. فالأولى أن ننظر مع جمعية حماية المستهلك إلى الأمام ولن نكون مسرفين في التفاؤل إذا توقعنا تقييماً وتقديراً للوقت يبدأ من السلوك الفردي والمجتمعي قبل أن يصبح نهج دولة.
د. عصام صديق أنت المسئول الأول أمام الله والشعب عن نظام البكور. المرة الأولى لأنك صمتّ ولم تنفِ علاقتك بنظام البكور حين احتاج الناس إلى كلمة تحول بينهم وبين جرّ الساعة تقديماً بما يجافي نواميس الطبيعة، وهو ما أدى إلى هلاك الوقت وجلب كثير من الأضرار على عامة المواطنين. والمرة الثانية لأنك تعرض الآن هِلالك الثاني على الملأ عسى أن يظفر بأربعة عشر عاماً أخرى من التطبيق ونكون نحن من غير حول لنا ولا قوة  بين رحى النظريات وهوشة تنفيذ قرارات غير مدروسة وبشكل يتجاوز حدود الزمن والطبيعة. فهلا ساهمت مشكوراً في تصحيح الاختلالات الفادحة التي أصابتنا بدلاً عن تنصل قد لا يبرؤك تماماً؟
(عن صحيفة الخرطوم)

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////