كيف لا

لم أستغرب أمانة الراعي السوداني بالسعودية والذي ذاعت قصته في مقطع فيديو تناولته مواقع التواصل الاجتماعي والقنوات السعودية خلال الأيام السابقة، ولا يجدر بنا أن نستغرب من هكذا أخلاق عُرف بها السودانيون في مغتربهم ومهجرهم البعيد قبل القريب. ولكن ما أثار استغرابي حقاً واستغراب الكثيرين لدرجة الاستهجان هو موقف شبكة الشروق التابعة لقناة "الشروق" الفضائية. وأقول موقف لأنّ الشبكة والقناة  السودانية الهوية، الأجنبية الهوى والطاقم لم يرق لها ذلك الفيديو الذي أثلج صدور كثير من السودانيين ومسح بعضاً من غباش اعترى الصورة السودانية في الذهنية العربية في الآونة الأخيرة .
لم يريح "الشروق" أنّ سودانياً بسيطاً ما زال يحتفظ بأخلاقه خارج بلده التي اضطربت فيها موازين هذه الأخلاق وأصبحت بفعل الفقر والجوع والمرض ومن كان السبب فيه، تتخذ موقعاً في مؤخرة القائمة وفي المركز رقم 173 بالترتيب الرابع كأفسد دولة في العالم، بعد أفغانستان وكوريا الشمالية والصومال في مؤشر الفساد الذي شمل 176 دولة عبر العالم في تقرير منظمة الشفافية الدولية للعام 2012م.
ليس ذنب هذا السوداني أنّه خرج بأمانته من بلده في زمن كانت هذه الأمانة سلوكاً عادياً، ولن يكون كسبه ومكافأته لقاء سلوكه الشريف تعنتاً وإنكاراً من القناة المحسوبة على الحزب الحاكم. وبينما تستكثر "الشروق" عليه هذا الشرف وتحاول الترويج زوراً وبهتاناً بأنّ السوداني الذي تم تصوير الفيديو معه عاد إلى السودان قبل ثماني سنوات، يستميت مواطنون سعوديون صوروا الفيديو وشهدوا عليه في إثبات هويته وإثبات حقيقته بأنّه ما زال هناك حيّاً يرزق. لماذا أدخلتنا "الشروق" في جحر ضب بمصادرتها حق هذا الراعي في الأمانة بخبرها المنافي للمهنية والوطنية، وجعلت مصور الفيديو الشيخ عادل المحلاوي وأصدقائه يتصدون لهذه الكذبة البلقاء، ويلجأون لوسائل الإعلام والقنوات السعودية لإثبات حق هذا الراعي ومن فوقه مكافآة مالية، أولها مكافآة  من مؤسسة حمد الحصيني بالدمام بقيمة 20 ألف ريال.
لو أنّ الشروق شاهدت هذا الراعي وهو يرفض أن يبيع نعجة إلى مجموعة شباب في البرّ طلبوا منه ذلك وقالوا له: لا أحد يراك، فكان رده : الله يراني، وهو يحاسبني. ورفض رغم محاولاتهم بأن يبيعها لهم حتى ولو أعطوه 200 ألف ريال وقال لهم إنه مرتاح نفسياً لأنه يأكل حلال. لو شاهدت ذلك لاهتزت فرائصها كما اهتز بدن الداعية السعودي الذي قال وهو يغالب دمعه أنّ المسافة بين هذا الراعي وبين "هامور" يأكل أموال الناس بالباطل لا يعلم بها غير الله. والرسالة ليست في قصة الراعي وحدها وإنما في قصيدة سطرها شاعر سعودي بالنبطي (اللهجة المحلية السعودية) بعنوان إلى الراعي الأمين مع التحية، جاء فيها :"علم كبار الكروش اللي زمن تبلع ، ما بعت دينك بمال ماهو بينفع".
فأي الجهتين بالله عليكم أولى بالفخر بهذا المواطن، فهل فرح "الشروق" لدرجة "شرقتها" بعكس هذه الحقيقة يتناسب مع وطنية منوطة بها ومع رسالة يفترض أن تروج لها لا أن تدس محافيرها.
وبربكم من هو الأعظم قدراً والأكثر وطنية، هل هو هذا الراعي بلهجته السودانية المحببة يتصرف وفقاً لسلوك بسيط بأخلاق نبيلة عاكساً أخلاق بلد بأكملها في نوع من الديبلوماسية الشعبية، أم جهة إعلامية من المفترض أن تكون هذه الرسالة أحد أجلّ أهدافها وليس تحطيمها حين يظهرها الآخرون، أو إنكارها حين يثبتها الآخرون أو استكثارها على مواطن سوداني بسيط لأنها غابت عن غيرهم ممن نراهم على شاشتها الفخيمة المزينة بوجوه لا تشبه بساطة وجه الراعي وجسده النحيل وبطنه الضامرة.
(عن صحيفة الخرطوم)

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.