كيف لا

كغيره من الدول النامية فإنّ السودان يواجه عبئاً يرهق هيكله الاقتصادي بعد أن مُزقّت بنيته الزراعية والصناعية، مما ساهم في إحداث فجوة غذائية وخللاً في تخطيط الموارد وتوزيعها وإدارتها. وهذا الاضطراب في القضايا الاقتصادية كامنٌ على طول تعاقب الحكومات الوطنية منذ استقلال السودان ومستقرٌّ في مفاصله كنتيجة حتمية للاستمرار في ممارسة الفساد والظلم .
منذ زمن سيدنا يوسف عليه السلام كان هناك أغنياء ينامون متخمين وغيرهم من الفقراء الجياع وفاقدي المأوى، ولكن كان الحكام على سطوتهم وجبروتهم يسمعون أحياناً لصوت الحكمة والعقل فلم يتأنى العزيز حاكم مصر عندما سمع ببراعة يوسف في تفسير الرؤى والأحلام وآنس منه ما جاء في تفسيره  حيث ناداه: "يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ" (يوسف : 46). في هذه الآيات تخطيط استراتيجي لسياسة الأمن الغذائي من خلال الانتاج وترشيد الاستهلاك في زمن الوفرة حتى يستفاد منها في زمن القحط ، لا تجده في في خطط الإنقاذ العشرية أو الربع قرنية.
ومهما أوتي القوم من براعة في تلطيف الحقائق المرة ، أو إطلاق العبارات الهروبية من حقائق بادية للعيان فإنّ ما يعانيه السودان من ندرة في المواد الغذائية أدت إلى غلائها الفاحش كسلعة بسيطة مثل الطماطم والتي من المفترض توفرها بكل بساطة في بيئة زراعية مثل السودان وفي مثل موسم الشتاء بالذات.
ومهما خضع السودان في سنيِّ حكوماته الوطنية لعدد من أشكال النظم المستبدة التي تستعذب آلام الشعب ، فإنّ الحقيقة الماثلة أمام الناس هي أنّ ما يحدث الآن هو عملية إبطاء لكوارث كثيرة قادمة إن لم يتم تلافيها وبسرعة شديدة. إلا أننا نتمنى معالجة الأسباب التي ترشح السودان بعد الصومال ، وذكرى ذلّ الجوع والإعانات السابقة في مجاعة 1984م في السودان لم تُمحى من الأذهان بعد .
كيف نرجو أمناً معيشياً وسلاماً سياسياً والأرض ما عادت هي الأرض،في ظل الإضطرابات السياسية وإفرازات الحروب المتجددة بالإضافة إلى التقلبات المناخية  ثم سوء استخدام الموارد واحتكارها للقلة المستطيعة .
آخر ما عند المواطن قد استخرجه الآن من كنانته وهو مقاطعة اللحوم ، جاءت في شكل مبادرة طيبة من جمعية حماية المستهلك ولكنها أقامت إقامة جبرية عند كثير من الأسر السودانية بسبب الحاجة. وبالرغم من أنّ هذه الآلية قد وجدت قبولاً كبيراً اختيارياً عند البعض الآخر إلا أنّ عدم جدواها وقصر أجل فعاليتها تضعف منها كسلاح فتاك في وجه الغلاء . ولن يستطيع المواطن المغلوب على أمره الصمود أكثر من الأيام المقررة لهذه المقاطعة. وخسارة كهذه لا تتعدى يومين أو ثلاثة أيام بالنسبة لتجار المواشي فقد يتبعها انفراج نسبي في أسعار اللحوم ما يلبث وأن يرتفع مرة أخرى إلى ما كان عليه أو أسوأ .
إذن فإنّ المقاطعة كآلية وحدها لا تكفي ، وسلعة واحدة لن تؤدي الغرض من المقاطعة كذلك كما أنّه من غير المعقول فرضها على مجموعة سلع يُعتبر أغلبها من الأساسيات . إذن الحل في تغيير نمط الاستهلاك مع زيادة الانتاج ، وتفعيل التكافل الاجتماعي ، وقيام الدولة بأعبائها من درء للكوارث الطبيعية والبشرية ثم ردم الفجوة بين الأغنياء والفقراء دحراً لأخطر الأمراض الاجتماعية ، فلا تحتكر قلة منهم خيرات البلاد ، بينما غيرهم لا يجدون ما يسدُّ الرمق.
(عن صحيفة الخرطوم)
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.