كيف لا

البعض يرى أنّ الكتابة عن الأخلاق الفاضلة والأمانة والشجاعة وغيرها من الصفات الجميلة وكأنها أمرٌ مستغرب يخرج بهذه الصفات عن طبيعتها الخيّرة ، مما يجعلها تبدو وكأنّها آتية من كوكب آخر وأنّ فاعل الخير هذا شخصٌ خارق وغير طبيعي. هذه وجهة نظر ولكن في الاتجاه المقابل هناك وجهة نظر أخرى ترى أنّه لتثبيت أسس الخير والصفات الحميدة وترسيخها في المجتمع لا بد من الاحتفاء بها  والإعلام بها لإثبات أنّ هذه الدنيا ما زالت بخير وأنّ سيادة أخبار الجريمة والشرور التي عمّت الكون هي بسبب استحياء الحق وأصحابه من الظهور. ووجهة النظر الأخرى هذه هي التي دعتني للكتابة عن المستشارة هند الريح المستشارة بوزارة العدل السودانية ، وهي خريجة جامعة الخرطوم، كلية القانون بمرتبة الشرف فى عام 1999م، وحاصلة على درجة الماجستير.  وحصلت مؤخراً على وسام الجدارة من رئاسة الجمهورية لجهودها فى إثبات برءاة الشابين سعد وعبد الملك، اللذين كان قد صدر فى حقهما حكم بالإعدام في قضية تهريب مخدرات إلى داخل المملكة العربية السعودية.
وذِكر هند ليس بسبب  قيامها بدورها القانوني وواجبها المهني فحسب وإنما في لمستها الإنسانية التي جعلتها دون غيرها تتحمل عبء المرافعة عن شابين سودانيين تم خداعهما وتحميلهما أمانات بواسطة عامل في مطار الخرطوم لتوصيلها لأحد الأشخاص في مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة السعودية على أساس أنّها من مستلزمات البيوت السودانية العادية . وحين وصل الشابان وتم الكشف على أمتعتهما وُجدت كميات من الحبوب المخدرة  مخبأة داخل تجويفات أخشاب الطلح.
وقد درج موظفو المطارات الدولية على رؤية الأشياء السودانية، وتعودت أجهزة التفتيش الإلكترونية في المطارات الأجنبية والعربية على عدم الاستغراب من حمل السودانيين القادمين من السودان  لكميات مهولة من الويكة والطلح والبخور والفسيخ والدكوة والآبري وغيرها، لدرجة أنّ أي طائرة قادمة من السودان لابد وأن تكون مميزة بالروائح النفّاذة التي تفوح منها، وذلك لأنّ السودانيين لا يكتفون بحملها ضمن الأمتعة التي يتم شحنها ولكنهم يصرون على الاستفادة من كل الوزن بحمل البقية التي دائماً ما تكون زائدة على الوزن المسموح به في الأيادي ووضعها في مقصورة الركاب . وأصبح من المناظر المألوفة أن ترى زيت السمسم يسيل من فوق الخزائن العلوية على عمامة ناصعة البياض ليشمل الجلباب والمركوب وأرضية الطائرة .
كما أصبح من المألوف تصيّد بعض المجرمين مثل عامل المطار هذا للمسافرين البسطاء وتحميلهم مثل هذه الممنوعات  على أنها أدوية منقذة للحياة أو حليب أطفال أو غيرها، مما يستلزم الانتباه الدائم من قبل المسافر الذي يتحمل مسؤولية سلامته وحده. ولا ينحصر الأمر على مطار الخرطوم وتهريب المخدرات فحسب ، فهناك تجار الشنطة الذين يقفون صفوفاً في المطارات المختلفة خاصة الخليجية لتوزيع بضاعتهم من موبايلات وأجهزة إلكترونية وغيرها على  العائدين إلى السودان وتسليمها إلى أشخاص محددين في مطار الخرطوم.
ولن نبالغ إذا قلنا أنّ موقف المستشارة هند مثل موقف المحامية الإيرانية شيرين عبادي التي دافعت عن عدة معارضين سياسيين إيرانيين كعائلة داریوش فروهر وزوجته اللذان تعرضا للضرب حتى الموت. وفي عام 2002م صوت البرلمان الإيراني لمسودة قانون كتبتها ضد الاعتداء الجسدي. فازت بعدها  بجائزة نوبل للسلام عام 2003م لنشاطها من أجل حقوق النساء والأطفال في إيران لتكون أول إيرانية وأول امرأة مسلمة تفوز بالجائزة.
لن نستكثر على أنفسنا الفرح ولو للحظة بورود بعض الأخبار السعيدة من هنا وهناك.
(عن صحيفة الخرطوم)
moaney [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
////////////