"في المعارك أنا عقاب الله، وإذا لم ترتكب خطايا عظيمة لم يكن ليبعث الله عقابا مثلي عليك" .. جنكيز خان!
قبل نحو عامين، سألت صحيفة الشرق الأوسط مرشح الحركة الشعبية لمنصب والي جنوب كردفان، الفريق عبد العزيز الحلو عن مدى رضاه بما يتعلق بجنوب كردفان في بنود اتفاقية السلام .. فقال إنها – أي الاتفاقية - لم تنجح في تلبية رغبات أي طرف بالكامل، لكنها وفرت المشورة الشعبية كآلية تمكن المواطنين من متابعة النضال عبر الوسائل (السلمية) ..!
وعندما سئل عن خلافات جنوب كردفان الثقافية مع المركز، قال إن الشمال – مطلقاً - ليس وحدة واحدة، وليس جنوب كردفان وحدها، وأن ما يفرق في الشمال هو أكثر مما يوحد، وبالتالي لا مناص من إعادة هيكلة السلطة، وإنهاء تلك المركزية القابضة، من أجل ضمان استمرار الشمال موحداً، وإلا سيكون مصيره مثل مصير يوغوسلافيا .. بعدها قرر الحلو أن يأخذ على عاتقة مهمة بلقنة السودان التي حذر منها عبر وسائل غير سلمية ..!
يوغسلافيا السابقة – كما تعلم - تقع في منطقة البلقان ذات التنوع العرقي، والتنافر الطائفي، الأمر الذي نتج عنه مصطلح (البلقنة) الشهير، والذي  أصبح يعني في قواميس السياسة (التنوع العرقي المتنافر!) .. هي الحرب الأهلية إذاً، بحسب نبوءة سياسية، كان الحلو مصدرها، ثم بحسب واقع سياسي كئيب أصبح الحلو ــــ أيضاً ـــ أهم أسبابه ..!
وكل ما فعلته الحكومة في المسافة الزمنية الفاصلة بين أقوال الحلو وأفعاله هو أنها قد باركت تلك النبوءة، عندما أومأت منذ زمن إلى دور صناديق الذخيرة في حسم الحكاية .. أي حكاية! .. تصريحات الحكومة كانت على الدوام تشد من أزر تلك النبوءة .. لكن نبوءة السياسي المعارض بوقوع الحرب شأن، ووعيد الحكومة بإضرامها شأن آخر .. هذه حقاً محنة قومية تستوجب النحيب على أطلال السودان الواحد ..!
اضطراب يوغسلافيا السابقة وتفكك عراها كان سببه الرئيس محاولة جمع تلك الأعراق المتنافرة (عنوة)، مع استئثار فكر سياسي – بعينه- بالسلطة .. والعبرة السياسية تقول بأن دولة متعددة الأعراق مثل هذا السودان تحتاج لضمان تماسكها أن يزاوج نظام حكمها بين الديموقراطية والفيدرالية ـــــ (أن يُزاوج بينهما لا أن يَزُج بهما) ! ــــ  تلك المزاوجة هي الخيار الأفضل لتفادي إشكالات العرقية البغيضة ..!
يوغسلافيا وقعت في سوء التطبيق بينما ضربت سويسرا والهند أنجح الأمثلة في ذلك .. لذا تبقى الفيدرالية الحقة هي الصيغة السحرية الوحيدة لصناعة أنشوطة وطنية واحدة، قوية .. بخلاف ذلك سوف تبقى أزمة وعينا الوطني ماثلة، ولسوف يبقى كلاهما وعيد الحكومة ووعود المعارضة وجهان لمحنة قومية واحدة ..!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.