كيف لا

كلما دبت الروح في قضية مقتل الديبلوماسي الأمريكي جون مايكل غرانفيل  وسائقه السوداني عبد الرحمن عباس  والتي حدثت عام 2006م، تخطر على بالي  المسرحية الأمريكية  التي قدّمها آرثر ميلر "كلهم أبنائي" عام 1947م وتم تحويلها إلى فيلم سينمائي عام 1948م وفيلم تلفزيوني عام 1986م. وقد يبدو الرابط الشكلي ضعيف نسبياً  ولكن من حيث المضمون والرسالة فإنّ قصة "كلهم أبنائي" تمدّ رابطاً قوياً يكمن في صراع بطل المسرحية مع المسؤوليات. فلكي  يوفّر مالاً لعائلته تسبب في وفاة 21 طياراً  بشحن أسطوانة غاز تالفة ورأى أنّ هذا مبرّراً  كافياً  لكي يتحلل من مسئوليته تجاه المجتمع. وبنفس هذه النظرة القاصرة للعالم وانتصاراً لفكرة متطرفة بديلة لرحابة الفكر المتسامح، قتل أربعة من المتشددين الدينيين، الديبلوماسي الأمريكي غرانفيل وسائقه السوداني في لحظة رأوا فيها أنّ الإيمان بفكرتهم يبرّر لهم أذى الغير.
وما لفت نظري هو إصرار الجناة حتى بعد أن تمت المحاكمة بإعدامهم ثم هروبهم من سجن كوبر شديد التحصين ،على فعلتهم. فقد جاء في صحيفة آخر لحظة في ديسمبر الماضي على لسان الأستاذ عادل عبد الغني محامي الدفاع عن المتهمين بأنه إزاء تعنت المتهمين وإصرارهم على قتل غرانفيل بقولهم "لو تم بعثه ثانية لقتلناه" قام المحامي بالاتصال بوالدة غرانفيل لحثها على العفو، فكان ردها أنّها لا تمانع من التنازل عن القصاص والإعدام ولكنها تشترط العقاب بسجنهم مدى الحياة وذلك كي لا يكرروا ما فعلوه مع آخرين. وعلى أن يعتذروا للشعب الأمريكي عن مقتل ابنها  وللشعب السوداني عن مقتل السائق . ثم أرادت أن تعلمهم دينهم الذي لم يفهموا أصوله فقالت إنّ فهمم لمباديء وتعاليم الإسلام خاطئة، مذكّرة إياهم بالآية الكريمة:"مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً .. "(سورة المائدة :32). ولكن رفض الجناة الإعتذار ثم هربوا وألقي القبض على واحد منهم تبين انّه ليس الفاعل الرئيس لعملية القتل.
والمقارنة تكمن في موقف الأم الأمريكية المسيحية التي غُيّب ابنها البريء عن الوجود تماماً وهو أندر من موقف الزوجة السودانية المسلمة التي تحتج على غياب زوجها المحكوم عليه خلف أسوار السجن لثلاث سنين. وفي حين كان قلب أم غرانفيل على الأبرياء الذين يمكن أن يؤيذيهم هؤلاء المحكومين إن تم إطلاق سراحهم مرة أخرى، كانت جلّ أمنية زوجة قصي الجيلي المحكوم بإثني عشر عاماً ونصف العام أن يعود إليها زوجها مستفيداً من عفوٍ قد يشمله لأنه أتمّ حفظ القرآن الكريم .
لم تفكّر رحاب في الضحايا الأبرياء أو ذويهم وانحصر فقط في  أبنائها الستة ، الذي جاء تفكيرها بهم متأخراً  بعد أن ذهب الأب وتركهم نهباً للإكتئاب والتدهور النفسي والأكاديمي. ثم من بعد ذلك تبعث برسالة استرحام لرئيس الجمهورية تقول فيها حسب صحيفة السوداني الصادرة في 7 مايو أنّهم يطمعون في  عفو الرئيس الذي شمل حتى المعتقلين والمحكومين السياسيين في المحاولة الإنقلابية الأخيرة.
والمسؤولية كما عكسها آرثر ميلر في المسرحية هي نفسها في واقع الحادثة، تقول أنّ  من يقوم بالفعل هو الذي يجب عليه  أن يحتمل عواقبه . وأنّ الانتصار أو الراحة الظاهرية مع أذى الناس عمرها قصير. ومثلما حدث في المسرحية التي لم يقتل بطلها إبناً واحداً وإنما قتل أبناء بلده ، ففي واقع الحادثة أنّ المدانين لم يقتلوا غرانفيل وعبدالرحمن وحدهما وإنّما قتلا كل أمل في الصفح والتسامح.
(عن صحيفة الخرطوم)




moaney [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]