كيف لا

قدّر بعض نواب البرلمان أنّه لن يكون دورهم فاعلاً ما لم يمارسوا ذلك  النوع من الإرهاب الفكري الذي برعوا فيه لدرجة أنّهم بدوا في ثياب الترهيب والتجريم ، وتركوا دورهم الأساسي الذي تم انتخابهم لأدائه . وأخصّ هنا نواباً يحملون لواء الحرب على المرأة السودانية ، وصل حدّ أن ينعتها أحدهم بأقذع الأوصاف . الحملة الموجهة ضد المرأة فيها نوع من الاستئساد الناتج عن وهم أنّ المرأة طرف ضعيف يمكن الانتصار عليه بسهولة . وقد استقوى هؤلاء بصمت نساء البرلمان اللائي يمثلن المرأة السودانية ، لا أسكت الله لهنّ صوتاً . فلم يفتح الله عليهن بكلمة يتصدين بها  لفكرة غريبة أو وصاية مرفوضة أو جور على بنات جنسهن .
أما أعظم ما يرتكبه هؤلاء النواب فهو تفسيرهم لآيات القرآن الكريم على مزاجهم وبالشكل الذي يخدم منطقهم العليل واستشهادهم بأحاديث نسبوها فرية إلى الرسول (ص) ، ثبت ضعفها وعدم الأخذ بها من أئمة الإسلام ، بل اتخذوا من شريعة الفراعنة منهجاً وتقمصوا لعنتهم التي يحاولون إنزالها على نساء السودان . كل ذلك وهم يوهمون  البسطاء بأنهم ما داموا يحلمون القرآن الكريم في يمينهم والسنة النبوية المشرفة في شمالهم فلا يحق لأحد أن يخطئهم حتى ولو كان الواحد منهم  كالحمار الذي يحمل أسفاراً  .
كان من المفترض أن نرى نوّاباً ونائبات في البرلمان يمثّلون الشعب ويحسّون معاناته لا يمارسون دور الوصاية عليه في انتهاك فاضح لخياراته ، وفي إغفال لقضاياه المسيسة بحياته . ومن فرط الإحساس الطاغي بالدور الوصائي لا يحتمل هؤلاء النقد أو التخطئة . ومن فرط الوصاية والاستمتاع بمعاناة المواطنين من الفقر وما آل إليه حال المجتمع من مصائب بسببه، يصرّون على أنّ الفقر ليس مبرّراً لما يحدث ، وما بقي لهم إلا أن يقولوا إنّ على الشعب أن يحتمل فقره إلى يوم يُبعثون . كيف لا يكون الفقر باعثاً لأمراض المجتمع ، وعلي رضي الله عنه قبل أربعة عشر قرناً قال قولته الشهيرة :" لو كان الفقر رجلاً لقتلته". وياليتهم يتذكّرون  أنّ أكبر أحكام الشريعة  وهي الحدود التي فرضها الله تعالى وجاءت في محكم تنزيله تم تعطيلها في عام الرمادة في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب رضي الله عنه ، وإنّها لكبيرة لو يظن هؤلاء  أنّهم  أعدل من ابن الخطاب أو حتى يدانونه في عدله .
نساء اليوم متعلمات ومتفقهات في دينهن ويعرفن الله بالعقل والمنطق ويصرّن على ما أمر به الله تعالى من إقامة دولة العدل لأنها هي التي ستقود للعدل الاجتماعي . وإذا عاش المجتمع فيه فلن يشقى بعده أبداً و هؤلاء النواب  يتمنون لو يقودوا النساء كما القطيع  .
يا نواب الشعب ويا من تودون محو المرأة السودانية من الوجود ويا من تأمرون بإقامة ساتر حديدي بينها وبين الأعين المتوحشة ، عالجوا هذه الأعين أوّلاً ثم عالجوا أمراض المجتمع بستر الجوع وسدّ الحاجة لأنّها منبع الشر .  هذا هو من نوع الفكر الذي غشينا فجأة واستوطن في مجتمعنا بمجيء مثل هؤلاء المتباهين بالتقوى ، حيث لا يرى الواحد منهم المرأة إلا أنوثة مكثفة في نصفها المستور بحكم الطبيعة ويتخيله ويزعزع منامه ولا يرى حلّاً إلى في محو المرأة من الوجود .
سؤال لكافة القراء : من انتخب هؤلاء النواب؟ أنا حواء السودانية ... لم أنتخبهم.
(عن صحيفة الخرطوم)

moaney [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]