تأمُلات

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

• بالرغم من الاختلاف مع القادة العسكريين في حكومة الثورة، إلا أن كتابة مستشار الفريق البرهان، العميد دكتور الطاهر أبو هاجة الصحفية تعد خطوة جيدة تستحق الثناء.
• في أحدث مساهماته بصحيفة السياسي نشر العميد أبو هاجة مقالاً حول زيارة رئيس مجلس السيادة لدولة الإمارات العربية المتحدة، أقتطف منه التالي: " سرت وتعالت الكثير من الأصوات التي أشاعت بعض المعلومات المضللة، ومجمل تلك الأحاديث انحصرت واختزلت هذا المجهود في عبارة (نطبع أم لا نطبع)، هذا التوصيف والاختزال يتضمن عدم دقة وإلمام بتفاصيل الحالة السودانية. إن الواقع الذي نعيشه من مشكلات متراكمة وأزمة اقتصادية طاحنة وإبقاء اسم السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب وغير ذلك من القضايا يتطلب منا جميعاً تخطيطاً استراتيجياً برؤية جديدة شاملة، بل وجراحة دقيقة ماهرة لتغيير الصورة النمطية التي ارتبطت بعلاقاتنا الخارجية طوال العقود الماضية".
• أولاً نشكر العميد على النفس الهاديء - الذي افتقدناه طويلاً في منتسبي القوات النظامية طوال العقود الماضية – وهو يشير إلى ما وصفها بـ (المعلومات المضللة)، لكنني أود أن أسأله عما دعا الكثيرين يركزون على عبارة (نطبع، أم لا نطبع)، أليست هي تلك الزيارة الغامضة للفريق البرهان ليوغندا؟!
• يرى العميد أن مشاكلنا المتراكمة وأزمتنا الاقتصادية الطاحنة وغيرها تتطلب تخطيطاً استراتيجياً وجراحة دقيقة وماهرة، لكن الواقع يقول أن أول مطلوبات حلحلة مشاكلنا الاقتصادية المعقدة هو أن تعيد القوات النظامية - التي ينتمي لها العميد أبو هاجة - الأموال والمؤسسات المُربحة إلى حظيرة وزارة المالية.
• مثلما بدأت الشرطة إجراءات جادة لمحاربة المهربين ومخربي الاقتصاد الوطني - الذين سرحوا ومرحوا في البلاد طوال العقود الماضية - لِمَ لا تبدي القوات المسلحة حسن نوايا حقيقي بإعادة هذه المؤسسات والأموال للخزينة العامة؟!
• صحيح نحن (مُودِرين) كما ذكر العميد أبو هاجة، لكن (رايحتنا) ما محتاجة لفتح خشم البقرة، بل عليكم أن تفتحوا لنا خزائن القوات النظامية، فهي تحتوي على الكثير مما يمكن أن يعين هذا الوطن على تجاوز العديد من مشاكله الاقتصادية.
• في زمن مضى كانت شركات الجيش تُصَدِر بعض سلعنا الاستراتيجية ومنتجاتنا بـ (كسر) للأسعار لأنه لم يكن يهمهم سوى توفير الدولار بأي ثمن، وقد آن الأوان لإيقاف هذا التخريب الممنهج للاقتصاد.
• لو توقفت قواتكم المسلحة عن الاستئثار بالكثير من موارد البلد لما احتجنا لوفود تفاوض أمريكياً أو إسرائيلياً أو إماراتياً، ولتوفرت لنا الأموال التي تعين الحكومة الانتقالية في تدشين مرحلة جديدة من البناء والتعمير ودفع عجلة الإنتاج.
• حميدتي قال أيضاً أمام جمع حاشد " عشان ما تحملونا المسئولية .. أنا هنا بقولا ليكم .. ما في زول بقدر يقولا.. شيوخكم كلهم قالوا طبعوا مع إسرائيل.. نحن أي شيء (بِمرُق) البلد دي نحن معاه"!!
• كلنا مع (البِمرُق) البلد يا حميدتي، لكن إن ظن (شيوخنا) أن النجاة تتمثل في التعلق بقشتي التطبيع أو رفع اسم السودان من قائمة البلدان الراعية للإرهاب فهم واهمون جداً.
• ولا أدري ما الذي يمنع هؤلاء الشيوخ من أن يقولوا لكم أن أغلب ما تستأثر به القوات النظامية ملك لهذا الشعب!
• وبدورنا نعيد ونكرر يا حميدتي " دايرين تمرقوا البلد أعيدوا للشعب ثرواته وأمواله التي امتلكتموها بدون وجه حق.
• أما بدون ذلك فيظل كل ما يُكتب ويُقال مجرد ذر للرماد في العيون.
• وهنا لا نلومكم وحدكم، بل نعتب على أنفسنا أيضاً، فنحن شعب تعود على ترك جوهر الأشياء والتعلق بهوامشها.
• وسأضرب مثالاً بسيطاً لعله يوضح الصورة: لنفترض أن رب أسرة لعوب امتلك مائة جنيه (زمن الجنيه جنيه) ونهض صباحاً بوعد أن يخرج للسوق لجلب ما يسد رمق اسرته لذلك اليوم، لكنه عاد متأبطاً علبة سجائر وكيس تمباك وزجاجة خمر، غير مكترث بالجوع الكافر الذي ينهش في أحشاء صغاره، فهل تكتفي الأسرة بأن تدعوا المولى عز وجل أن يرزق هذا الأب المستهتر ألف جنيه في اليوم التالي حتى يوفر لهم ما يطعمون به !
• وحتى إن توفرت له عشرات الآلاف من الجنيهات في اليوم التالي فمن يضمن لهم أنه سينفقها عليهم!!
• لم تبدأ معاناة شعبنا مع بدء العقوبات أو ضمنا لقائمة الدول الراعية للإرهاب، ولن تنتهي هذه المعاناة بتطبيع أو رفع من القائمة (الذريعة).
• فأي بيت غير مرتب من الداخل لن تجدي معه مثل هذه المحاولات اليائسة والتعلق بقشة الغريق.
• وبيتنا السوداني المليء بالموارد والثروات التي ظلت تُهرب وتُمنح لبعض بلدان الإقليم نظير إثراء حسابات بعض المسئولين، لا تزال السطوة فيه لفئة محدودة.
• حتى لجنة التفكيك التي صدعت رؤوسنا بمؤتمراتها الصحفية لم تقترب من الكثير من كبار اللصوص الذين تمتعوا بثرواتنا ومواردنا على مدى العقود الثلاثة الماضية.
• أصرت اللجنة على الاستمرار في انتقائيتها المقيتة، وبخلاف أعضاء الحكومة من المكون العسكري تغافلت عن فساد آخرين من فلول النظام القديم.
• والغريب في شعبنا الذي يستمتع بالتخدير والكلام العاطفي المعسول أنه لم يكن يقبل أي انتقاد يوجه لهذه اللجنة، إلى أن جاءهم اعتراف نجم إعلام اللجنة.
• فقد صرح وجدي بأنهم ظلموا البعض في خضم البروباغاندا الإعلامية التي أرادوا من ورائها إلهاء الناس وتكملة القصور الملحوظ في أداء غالبية وزراء حكومة دكتور حمدوك.
• والمصيبة الأكبر أن وجدي اعترف بهذا الظلم البين - الذي حين تناولنا جزءاً منه (صندوق الإعمار مثالاً) - ظن البعض أننا ننسج من الخيال.. المصيبة أنهم لم يرفعوا هذا الظلم، ولم نسمع بأنهم أعادوا مفصولاً مظلوماً أو حاسبوا من تلاعبوا بالقوائم ووضعوا اسم شخص لا علاقة له بوظيفة ما في مكان أحد أقارب المخلوع حتى لا يتعرض هذا الأخير لخطر الإقالة.
• وما يزال الفلول سادة الموقف في مكتب حمدوك ووزارة الخارجية وغيرهما من مؤسسات الدولة.
• يحدث كل ذلك أمام مرأى ومسمع شعبنا وما زال بعضنا يصرون على أن الرفع من قائمة الإرهاب والتطبيع يشكلان مفتاحاً للخروج من أزماتنا.
• قد يُرفع اسم السودان من القائمة المذكورة قريباً.
• وربما تطبع هذه الحكومة المتذبذبة في مواقفها وتصريحاتها في أي لحظة، لكنني على يقين بأن شيئاً مما نتطلع له كشعب لن يُنجز بهذه الطريقة.
• ففي اليوم الذي تتحقق فيه (الأمنيتان) أعلاه، سوف يتحججون بذرائع أخرى والأيام بيننا.