"في المال العام لا توجد سترة مطلقاً – أقصد السترة بمعنى أن لا يكون هناك حساب – السترة في عدم إشهار الأسماء" .. الفاتح عز الدين!
سبحان الله! .. التعدي على المال العام من الجرائم التي يستوجب ثبوتها الحكم بالإعدام في قوانين بعض الدول، ولكن التعامل في بلادنا معها يسير- في الغالب، وللأسف! – على منهج فقه السترة الذي يشد من أزره السيد رئيس لجنة الحسبة والمظالم نفسه ..!
الغريب جداً أن حديث المسئولين ــــ علناً ـــ عن عدم إشهار الأسماء في جرائم الفساد يتزامن مع غياب التوازن المطلوب بين (كم) الحصانات والامتيازات التي تمنح للمسئول (الموظف العام) و(كيف) الإجراءات التي تفرض التحقيق معه وملاحقة أفعاله – موضع الاتهام - قضائياً ..!
بينما الواجب أن يقول المسئولون علناً بالآتي: السلطة التقديرية لموظف الدولة ـــ عندنا ـــ كانت وما تزال هي أوسع أبواب الفساد، لذلك لا بد من سد الذرائع بمعايير دقيقة للأداء المهني، ورقابة صارمة، ولوائح إدارية ساطعة، واختزال مدروس لخارطة المستندات، وتبسيط ذكي لقائمة الإجراءات ..!
العلاقة بين موظف الدولة والمال العام ـــــ في بلادنا ــــــ ما تزال بدائية ومباشرة، والأخذ بالأسباب يقتضي تحويلها إلى علاقة أرقام عبر التسهيلات الإلكترونية في المعاملات التي تكون عرضة لشبهات الفساد أكثر من غيرها، فالشفافية الإلكترونية تمنع بيع الأسرار لأنها تفرغ جعبة الموظف منها، وتجعل مواصفات وشروط العطاء الحكومي في متناول الجميع ..!
إذا كانت الحكومة جادة في تغليب شرط الكفاءة في التوظيف بعيداً عن المحسوبية فلماذا لا تعمل بقاعدة "كفاية الاتهام" ــــ دون الحاجة لصدور حكم قضائي ـــــ لضمان عدم تولي أي موظف عام سابق فاسد لأي منصب قيادي جديد؟! .. لماذا لا يتم تصنيف عدم إبلاغ الموظف عن عرض الرشوة كجريمة مستقلة؟! .. ما الذي يمنع أن تتم صياغة نصوص قانونية خاصة بجرائم الفساد في مواعين لفظية واسعة تتناسب وخطورة الجرائم الموجهة ضد الدولة ..؟!
سياسة الأجل القصير المعلوم للفصل في قضايا الفساد ناجعة جداً، لأن إطالة عمر القضية في التحقيق ومراحل التقاضي يعد في حد ذاته مؤشراً للفساد، ومن المؤثر جداً، والناجع جداً أن يتزامن كل هذا مع حتمية العقوبة وفداحتها التي تدلل على قلة مردود جريمة الفساد مقارنة بجسامة مخاطرها (لا بد أن يُركل مفهوم عدم الإشهار خارجاً حتى تتحقق الشفافية) ..!
هيئات مكافحة الفساد لا بد أن تتمتع بسلطات واسعة في الكشف عن الجرائم، كسياسة مراقبة التغييرات التي تطرأ على أحوال الموظفين، وتسهيل إثبات الجرائم من خلال قرائن الإدانة(أي زيادة غير مبررة في دخل الموظف العام تعتبر قرينة على فساده، ما لم يثبت العكس) وفي سبيل ذلك يجب أن تذلل القوانين عقبات الإطلاع على الحسابات المصرفية للساسة المسئولين والسادة الموظفين، وقبل ذلك وبعده لا بد، لا بد من إبطال مفعول الحصانات في قضايا الفساد ..!
لا فائدة ترجى من إعمال القوانين والفوارق بين الحصانة والقداسة ــــ في بلادنا ـــــ لا تكاد تذكر، لا فائدة من إعمال المحاسبة في ظل قوانين ممنوعة من الصرف .. فهل من مُذَّكر؟!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.