"الحق يحتاج إلى رجلين: رجل ينطق به ورجل يفهمه" .. جبران خليل جبران!
قراءة سريعة لعناوين الأخبار في صحف الأمس – فقط - تكوِّن عند القارئ انطباعاً سهلاً  بغزو ثقافة الاحتجاج الشعبي في بلادنا الأقاليم والقرى – ليس بأبناءها فقط كما يحدث في العاصمة، بل بحضورها الجغرافي كمسرح لوقع خطوات ساكنيها ووقائع مطالباتهم بحلول رسمية عاجلة لمشكلات لا تحتمل جفاء البيروقراطية ومراوغة المعالجات السياسية ..!
في قرية كنور بولاية نهر النيل أغلق السكان الطريق بين عطبرة وبربر بعد أن لقيت طالبة مصرعها في حادث سير  وهي تحاول أن تعبر طريقاً يفتقر إلى أبسط المعالجات الفنية التي تحفظ أرواح الراجلين .. وفي مدينة حلفا الجديدة اعترض مواطنون موكب الوالي وأغلقوا الطريق بالحجارة احتجاحاً على إقالة المعتمد السابق .. وقبل هذا وذاك قتل مواطن وجرح بضعة عشر آخرون في محلية شرق النيل إثر اشتباكات بين الشرطة والأهالي بسبب نزاع على أرض سكنية منحتها الحكومة لشخصية من خارج المنطقة ..!
فالناس كما قال علي ابن أبي طالب (من خوف الذل في ذل)، والحكومات كما أكد رونالد ريجان (تميل إلى عدم حل المشاكل، فهي تعيد ترتيبها فقط) لأنها تظن – والظن لا يغني من الحق شيئاً - أن الاعتصامات و المظاهرات لا تغير شيئاً، لكن الحقيقة غير ذلك، وأي احتجاج شعبي ضد أي قصور أو تعدي سلطوي هو - اليوم - جزء من حراك إنساني عالمي نحو دمقرطة الاحتجاج وأنسنة السلطة ..!
الحكومات الذكية هي التي تسعى إلى إدخال ثقافة الاحتجاج في موسوعة الأعراف الحميدة – على الأقل حتى تضمن موجبات بقائها – (حسناً فعلت إحدى نائبات المجلس التشريعي بولاية نهر النيل عندما أيدت خطوة السكان بإغلاق الطريق، على العكس من مواقف مسئولين كثر تأتي تصريحاتهم - في أحداث مشابهة - محتشدة بالمبررات وحبلى بالوعود المستقبلية التي لا قبل لحكومتهم نفسها – ولا علم لمن يمثلونهم – بها) ..!
السلطة الواعية تشارك بنفسها في وضع قواعد ثقافة الاحتجاج الشعبي – تتبنى الحراك وتستثمر الرفض وتضع في حسبان بطانة مسئوليها أن المطالب الشعبية حق وليس تعدياً، وأن استيعابها واجب وليس تفضلاً - فالاحتجاج السلمي ليس سلوكا فوضويا بل ردة فعل (منظمة) تستعين بـ (الفوضى) لحث السلطات على إعادة ترتيب المشكلة ..!
(هذا ليس بمالك ولا مال أبيك) هكذا جادل أحد الأعراب رسولنا الكريم في العطايا، وطالب آخر بالقصاص في إحدى الغزوات لأنه وخز صدره بقشّة، ولم يغضب منهم رسول الله ولم يرد في أمهات الكتب أنه عاقبهم، أو حتى أنكر عليهم حقهم في الاحتجاج .. وقد وضع بذلك خارطة طريق الحاكم في معاملة المحكوم - لمن جاء بعده - لا يزيغ عنها، ولا يضل بعدها إلا من أبى ..!
صحيفة الرأي العام


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.