صديقتي القديمة فاطمة كانت عائدة لتوها من زيارة خاطفة إلى مسقط رأسها - مدينة بريدة بمنطقة القصيم بشمال السعودية -  عندما حملت بحذر سرها الصغير.. وانتبذت بنا ـ هو وأنا ـ مكاناً قصياً في حوش المدرسة! ثم حدثتني بأنفاس مبهورة وعينين لامعتين من فرط الانفعال، عن حوار رسمي جداً.. قصير جداً دار بينها والشيخ سلمان العودة ـ الذي كان جار جدها لأبيها في الحي ..!
طرق الشيخ باب بيتهم بعد صلاة العشاء، سائلاً عن جدها.. فكان لها شرف إبلاغه من وراء حجاب ـ الباب المغلق بالطبع ! ـ عن خروج رجال الدار في مشوار قصير! .. كان هذا كل شيء.. ولكن إذا عُرف السبب بطل العجب.. فقد كان الزمان هو مطلع تسعينيات القرن الماضي حيث تشدد الخطاب الديني في السعودية على أشده.. وكان المكان مدرسة بنات ثانوية في مدينة الرياض.. حيث المناهج الدينية في أوج السلفية والتخصيص.. أما الشيخ سلمان العودة فقد كان ـ حينئذٍ ـ بطلاً من أبطال (لا) السياسية الباهظة.. ونجماً من نجوم الشيوخ/ الدعاة، الذين تُفاخر المراهقات المتديِّنات بسماع أصواتهم من وراء حجاب.. كما تُفاخر مراهقات اليوم بأخذ صورة تذكارية إلى جانب الفنان أحمد الصادق ..!
ثم اعتدل مناخ الدعوة إلى الوسطية.. وأصبح الشيخ سلمان العودة نجماً على نحو آخر.. ضيفاً دائماً على أشهر القنوات الفضائية.. ولست أدري ماذا فعل الله بحماسة صديقتي السلفية فاطمة بعد تطور الحال.. لعلها تترصد اليوم إطلالته الأسبوعية على القنوات الفضائية .. قبل أو بعد المسلسلات وأغاني الفيديو كليب ..!
لكن هبوب رياح الوسطية في السعودية وسائر البلاد الإسلامية، فتح الباب أمام لون آخر من ألوان النجومية ـ الدينية إن جاز التعبير ـ فأصبحت غرائبية الفتوى وصدامية فكرتها سبباً لبلوغ الشهرة وطريقاً مختصراً لكي يصبح الشيخ المغمور نجماً تتلقف إطلالته مختلف الفضائيات ..!
وبعد أن كان أهل الإفتاء يرددون العبارات الحذرة على غرار (من قال لا أدري فقد أفتى).. و(نصف العلم قول لا أعلم).. و(لا يُفتى ومالك في المدينة).. أصبح شيخ كل حي هو مالكه ومفتيه الذي لا يتحرج عن الانبراء لبيان الحكم في مسألة (غميسة) مثل إرضاع الكبير أو (شائكة) مثل شبهات الربا في بعض أنواع البيوع.. دون أن يطرف له جفن ..!
ولأننا في السودان نتحرى هلال الفتوى في أرض الحرمين كما نتحرى هلال صوم أهلها وإفطارهم.. فقد انتقلت إلينا موضة نجومية الفتاوى المثيرة للجدل.. وهي ـ كما أراها ـ فتوى من لا يملك لمن لا يستحق ..!
في السعودية ومن باب سد الذرائع صدر – قبل فترة - مرسوم ملكي بتقنين الفتاوى وتوحيد مصادرها .. وهكذا أراحت الحكومة السعودية رعيتها واستراحت بعد طول عناء مع بلبلة الفتاوى المربكة.. فمتى نرتاح نحن أيضاً من لغط فتاوى الشيوخ  النجوم ..؟!
قبل فترة تناقلت صحفنا المحلية  خبر فتوى بشأن جواز فعل محرم في حالات بعينها.. ثم شاع الأمر (وشيوع الفتوى ـ كما تعلم ـ يعني اعتماد العمل بها بين المسلمين وعلى ذمة من أفتى بها!).. ولكن عندما تقصّينا الأمر.. سمعنا تكذيب صيغة تلك الفتوى على لسان الشيخ الذي شاع أنه مصدرها..!
أوليس مثل ذلك اللبس الخطير، أدعى إلى تقنين بعض مصادر الفتوى عندنا؟!.. على الأقل حتى لا تصبح معاملاتنا كمسلمين رهينة خبر في جريدة ..!
حكايات


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.