صحيفة النيويورك تايمز قللت من أهمية معاهدة عدم الاعتداء التي تم توقيعها بين السودان ودولة الجنوب، وتساءلت إن كانت ستلقى ذات المصير الذي حاق باتفاقيات أمنية سابقة، وأوغلت في التشاؤم وهي تستشهد بمصير الاتفاق السابق على نزع الأسلحة من الحدود المتنازع عليها ..!

يبدو أن القارة الإفريقية ما تزال تثقل الضمير الدولي الذي تجاهل ماسيها ومجاعاتها وحروبها الداخلية وتاريخها مع التطهير العرقي فبات العالم الأول  الذي ما عاد نخبوياً في اصطفاءه وتبنيه لوجهات النظر، بعد أن حولت ثورة وسائل الإعلام الخبر إلى صوت وصورة وإيماءة سياسية عالية الكفاءة والأثر – بات - يرى في مشكلات القارة الإفريقية وتدني معدل نموها الاقتصادي وتأخرها السياسي عن ركب الحداثة العالمية تحدياً لطموحات تطوير النظام العالمي الجديد..!

سياسة المناداة بوجوب تكفير العالم عن تقصيره في حق إفريقيا ـ من خلال إنقاذ دارفور ـ استهلتها أمريكا وباركها هنري كيسنجر وزير خارجيتها الأسبق (الذي اشتهر بآرائه الخطيرة التي اتكأت عليها أمريكا في تطوير سياستها الخارجية) عندما تنبأ بأن غياب الالتزام الأخلاقي من سياسات المجتمع الدولي تجاه القارة الإفريقية سوف يخلق مأساة ..!

ومن نبوءات كيسنجر السياسية اعترافه بغلبة الذكاء الصيني على الحنكة الأمريكية، واستشهاده بالمأزق الأمريكي في الصومال على صدق نبوءته بفشل تطبيق مبادئ التدخل الإنساني العسكري في السودان! .. حيث بدأت حكاية أمريكا مع الصومال بحجة توزيع الأغذية مروراً ببعض التمارين على بناء المؤسسات، قبل أن يتحول إلى حرب أهلية طرفها الرئيس أمريكا نفسها ..!

لكن كيسنجر نفسه يؤكد - في كتابه "نحو دبلوماسية للقرن الحادي والعشرين" - على الخصوصية التاريخية والسياسية والاجتماعية للقارة الإفريقية، والتي تفرض سيناريوهات محلية شديدة الالتحام بطبيعة واقعها المحلي، ويقول إن الحروب الأهلية والصراعات الإثنية ينبغي أن تترك لدول القارة نفسها، وإن سياسة التدخل الخارجي لا ينبغي أن تتعدى بأية حال حدود دعم المستشارين الغربيين لقوات تدخل إفريقية..!

وسيناريوهات السلام المحلية تقول إن حكومتي الشمال والجنوب لا بد أن تعيا معاً خصوصية الخلافات وطبيعة الملفات العالقة بينهما.. وإذا لم تفعل التشكيلة الجديدة في الدولة الوليدة فالكوتشينة الأزلية في حكومة الشمال أوضاعها أولى وظروفها أدعى! .. بالتزامن – طبعاً – مع التربيت على كتف دارفور، وتهدئة القلق الأمني، واستنفار جهود التنمية .. والأهم من ذلك كله أن تعترف الحكومة بعنوستها السياسية وأن تشفى من أحلام اليقظة ..!


منى أبو زيد
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.