اشتراط نزع القداسة عن رئيس الحزب - وخضوع منصب الرئيس للمنافسة الحرة بالكفاءة وليس الوراثة، والمناداة بالمؤسسية والديمقراطية – ليس شطحة يندد بها أي مجتمع سياسي يحترم نفسه قبل مواطنيه .. لكن ردود الأفعال الإسفيرية التي أعقبت نشر حديث مساعد الأمين العام للحزب الاتحادي المسجل ووزيرة التعاون الدولي إشراقة سيد محمود - عن الشرط المذكور آنفاً لتحقق الوحدة بين حزبها والاتحادي الأصل – تقول بالعكس، وتستحق بالتالي الوقوف عندها لأكثر من سبب ..!  

الأسئلة الوجودية التي يثيرها واقعنا السياسي تشير بإلحاح نحو وجوب تغيير الموروث والنمطي والسائد، وحوادث النزاع والانشقاق ومشاريع الائتلاف تلك هي أزمة السياسي المعاصر الذي يصنع مآزقه لأنه لا يجيد التفكير بعقلية المداولة والوساطة والشراكة، ولا يحسن المواكبة في زمن نهاية الوصائية وانقراض الدور الأبوي السياسي لزعماء الطوائف ..!

ماذا ينتظر "السودان" من زعامات عريقة وقيادات منشقة تواجه مستجدات الواقع بعدة عمل قديمة وعقلية نخبوية ؟! .. ماذا ينتظر "السوداني" من أحزاب تسير بفكر الرجل الواحد وتتصدى للمنافسة السياسية بمنطقه الذي يضع العراقيل حيناً ويبسط المشكلات أحياناً ولا يتورع عن طمس أي دور قيادي لا ينطلق من مسرح الرجل الواحد ..؟!

ماذا ينتظر "محمد أحمد" من فكر سياسي لا يؤمن بالصيغ المركبة لحل المشكلات المعقدة، وأداء سياسي لا يؤمن بالعقل التواصلي، ومنهجية قيادية متوارثة أثبتت النوازل والخسائر الوطنية فداحة أخطائها ..؟!
إذا كانت الإجابة أنه ينتظر الإصلاح والتجديد - "لا الإقصاء والتحييد"! - فمن يفكر بلغة التغيير والإصلاح داخل أروقة الحزب الطائفي يجب أن ينادي أولاً بالفصل الحاسم بين العام والخاص، بين الزعامة والسيادة، بين المختلفات والمتعارضات، الفصل القاطع بلغة العصر ..! 

الإصرار على اقتران التقديس بالتسييس في تمثيل الحزب الطائفي يجعل دعاة "تجديد المسار" يائسين ويتعاملون مع هويتها الحزبية المزدوجة بسلوكيات حادة تدمر صيغ التعايش فيما بينها، فيخرج النزاع بصورة بائسة إلى العلن ..!

وعليه فإن الحديث عن منهجية التغيير يقتضي الدخول في مراجعات نقدية بناءة والانخراط الجاد في فعل ثوري يصطحب في معالجاته أن طبيعة الانتماء داخل ذلك الكيان السياسي "مركبة"، وأن مصدر الخلل ليس وحيد الجانب، وأن مكتسبات ثورة التصحيح لن تعود على طرف واحد ..!

الناس في هذا البلد ما عاد يكفيها أن تتبع أحداً، ولا بات يرضيها أن تؤله سيداً، بعد غاشية الفشل السياسي وقارعة المعاناة الاقتصادية التي جففت أقلام التأليه ورفعت صحف القداسة ..!

منى أبو زيد
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.