التمييز العنصري على أساس العمر، داء يستوطن عصب الممارسة السياسية في السودان، ولعل أطرف صور التنميط الإعلامي مع ظاهرة الافتتان بحكمة الشيوخ في تقلد المناصب السياسية – والإصرار على افتراض العلاقة الطردية بين تقدم الأعمار والجدارة بالمناصب – هي شبه جملة "الوزير الشاب"، التي يسبغها بعض الكتاب والمحررين – بثقة واطمئنان - على بعض الوزراء الذين تجاوزوا الخمسين، واشتعلت رؤوسهم شيباً ..!

هي على كل حال ثقافة عرب أفريقية سائدة، ضاق الشباب في بلاد الربيع العربي - وما جاورها - ذرعاً باستمرارها بعد زوال حكم الأباطرة بعقوده الطويلة .. في تونس وفي مصر يشجب الشباب اليوم ترشح أي رئيس أو مسئول سياسي فوق سن التقاعد، وفي موريتانيا تعالت الأصوات التي تنادي بإشراك الشباب في قرارات الحكم، وتصحيح الفهم المغلوط السائد عن مقومات الجدارة بالمناصب! ..

وفي خرطوم  البخاتة، زارنا وفد من وزارة الإعلام التشادية، فرأينا عجباً، وزير إعلام شاب (لا تشوبه شيبة!)، ومديرة تلفزيون يافعة في عمر الزهور، وهما – بحسب أعمار الساسة والمسئولين في بلادنا – "حناتيش"، لا أكثر ..!

اقتصار الحكمة السياسية على أفواه الشيوخ فلسفة قديمة تهافتت في برلمانات ومجالس وزراء العالم الأول، ثم تلقفت ذلك التغيير حركات البعث والتجديد السياسي في بعض بلاد العالم الثالث، لكن هذا لا يقدح في منطقية التحفظات حول حداثة التجربة السياسية لبعض القادة وأخطارها المحدقة بمصائر الشعوب ..!

ومن ذلك أن وسائل الإعلام تتداول، هذه الأيام، حكاية ولي عهد الجمهورية الكورية الشمالية الديمقراطية الشعبية، ووزير دفاعها السابق، ذي السبعة والعشرين ربيعاً، كيم جونغ أون، خليفة والده الرئيس الراحل، والذي سوف "يحتكم" - بفضل سياسة توريث الحكم في بلاده – على ثالث أكبر ترسانة أسلحة كيميائية في العالم، وأخطر برامج الأسلحة البيولوجية الفعالة، وباقة غامضة العدد من الأسلحة النووية، تكفي لـ "تجحيم" العالم بلمسة زر ..!

قناة العربية أعدت تقريراً لا بأس به عن الجنرال الصغير، وزير الدفاع العشريني، ورئيس الجمهورية المرتقب، ذو الوجه الطفولي، المولع بالكمبيوتر – وربما العاب البلاي ستيشن أيضاً! - كخيار لا جدال حوله للنظام الشمولي القائم، في دولة الحزب الواحد ..!

أما في المقابل - وفي ذات الوقت .. تقريباً! – فقد فرغت وسائل الإعلام في بلادنا، لتوها، من تغطية النخْب الأول في أخبار الحكومة الجديدة، والتعليق على "كوتشينة" التشكيل الوزاري المعتاد، الذي يكفي تقادم السنوات على إخفاقاته المتتالية - فوق رؤوسنا - لتَعتُّق أفخر أنواع النبيذ ..!

لا خلاص لأهل هذا البلد من صبيانية السياسة ومراهقة الاقتصاد، ولا نجاة لهم – بعد لطف الله – إلا بتجديد شباب الأحزاب .. كل آفاتنا السياسية تبدأ من "خطل" المؤسسة الحزبية .. وكلها تنتهي باستقامة عوجها ..!


منى أبو زيد
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.