في الشمال عموماً لا يعرف المواطن كثرة الأمطار ولا كثرة السيول حتي ، إلا بالمقدار الذي يضع ويحدد فاصلاً بين فصول العام ، كما أن مسارات هذا الأخير معلومة للجميع .. فالصغار نقلاً من الكبار يعلمونك بأن هنا يوجد مسري سيل فإن لم يعرفونها بشهادتهم لنزول أحد تلك السيول فهم يعرفونها بنقلهم منها (الرملة) التي يفترشونها في الأعياد .. فالكبار يحثون الصغار للذهاب إلي هناك لأقصي شرق القرية عند مجري السيل لجلب (الرملة) الموغلة في صفارها .. فلها ألق عند فرشها في الحيشان وأمام أبواب المنازل والبرندات الهبابيه ..!! ، فأهل الشمال لم تتجاوز معرفتهم بالسيول تلك المشاهد أو الأعمال التي تتكرر علي صغارهم حين نقلهم لرمالها التي يشير بها الكبار عند قدوم الأعياد ، أما السيول المدمرة فوجودها محدود وهو غير مباشر لأنها تكون في العادة بمناطق غير عالية السكن ، مثل مجري سيول (الكربكان) و(العوتيب) و(المكابراب) فيطلع عليها بعض الناس الذين يكونون بالقرب منها أو أؤلئك الذين هم في حالة سفر فتتوقف السيارات التي تقلهم عندها لبضع ساعات فيستأنفون رحلتهم مره أخري ، وعلمياً معلوم إن السيول التي تضعف قوتها بعدد ساعات معلوم لا توصف بأنها سيول عنيفة  ..!! ، وبطبيعة الحال إن مثل ذلك الحال لن يكون دائماً .. فتقلبات الحياة والكون ضرورية ، ومن أقدار الله تعالي الغالبة أن الكوارث في عمومها من شأنها أن تعيد ترتيب الحياة وفق متغيرات جديدة ، ففي غضون السكون المعلوم عن موسم الخريف بالشمال جاءت السيول التي إجتاحت (مدينة شندي) في ليلة واحدة بصورة غير مألوفة لسكان تلك المدينة الوادعة وللقري المحيطة بها (الشقالوة) و(بير الباشا) و(المسيكتاب) إضافة لبعض أحياء مدينة شندي نفسها مثل المربعات الشرقية .. تلك الأحياء والقري المحيطة بالمدينة ، لن أكون مغالياً إن قلت أن تلك المناطق التي تأثرت بتلك السيول قد أصبحت أثراً بعد عين ، وعلي الرغم من ذلك لم يتحدث عنها الإعلام كما جبل عنه بنقل الكوارث والمصائب في كثير من أنحاء السودان ، وحتي التقارير التي قدمت مع أخبار متفرقة بالإذاعة والتلفزيون كانت مرتبطة بزيارات مسؤلين سواء كانوا من حكومة الولاية أو من المركز ، لم يكن الحديث عن تلك السيول التي أخرجت آلاف الأسر من خدورها وجعلتهم خلال أقل من (24) ساعة بلا مأوي أو متاع مكافئاً لما أحدثته بهم من أذي ، لم تتحدث وسائط الإعلام عن عدد (المفقودين) ولا عدد (الموتي) أو عدد (المنازل) التي دمرت بصورة كاملة أو جزئياً .. وحتي هذه اللحظة لا يوجد مركز بحثي أو صحيفة لها مركز معلومات (محترم) لديه معلومه واحده عن مخلفات سيول مدينة (شندي) تلك التي لم يقف أحد علي آثارها (النفسية) ولا (الإنسانية) علي مواطني تلك المناطق كما يحدث عادةً ، وإنسان المنطقة (المستور الحال) والذي أثر عنه إنه يقضي يومه كاملاً (خنق) من الجوع أو من أي عارض أو دائم يتطلب صبر وجهد ومشقة ..!! ، كان كما عرف عنه في السابق واللاحق .. صبوراً محتسباً لا يسمع صوته بالشكوي لأحد إلا خالقة ، فقد إعتمدوا إن ما ألم بهم هو بلاء من ربهم وإمتحان .. فواجب عليهم الصبر والإحتساب ، وهو ما فعلوه ..!! ، فلم يجأرون بالشكوي لأحد .. فهم لا يعرفون طريقاً للمنظمات الطوعية فتلك في عرفهم من ظواهر الإعتراض علي أقدار الله تعالي ولا يمدون يدهم لأحد مهما كان ، ولو كان ما يمدون له أياديهم هو حق معلوم لهم .. لا يفعلونه أبداً ، تلك هي قيم أؤلئك الناس ..!! ، لم تترتب علي سيول (مدينة شندي) قضية سياسية ولم تسيير (تجريدات) إغاثية من باقي ولايات السودان متجهه صوب (شندي) المكلومة أو قراها المحتسب أهلها ، فلم تتعدي أخبار تلك السيول التي ما تزال آثارها موجوده في تلك الأنحاء عن اليومين علي الأكثر ، فقد لملم آثار تلك السيول أهالي المنطقة نفسهم من غير أن يشعر بهم أحد ، من له غرفة إضافية أدخل فيها جاره ومن له ثوبين ترك أحدهما لصاحبة بالجنب .. هكذا من دون ضوضاء أو صخب ..!! ، هي قصة ما يجب أن تمر هكذا مرور الكرام .. دون أن يحدث عنها وتنقل أخبارها الغير مروية للآخرين ..!! ، فقصة تلك السيول يجب أن يؤرخ لها ، بالطبع ليس المقصود بالتوثيق هذا للسيول وإنما لإنسان تلك المنطقة الذي لم يسمع أهل السودان منه أنيناً بالرغم من شدة الألم التي أحدثتها له .. فلم يري منه إلا صبراً وجلداً وإحتمالاً لذلك الإبتلاء .. لله در هؤلاء الناس ..!!

نصرالدين غطاس

Under Thetree [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]