غني عن القول بأن قضيتي (ترسيم الحدود) و(الإستفتاء) أضحتاء من القضايا العالقة بين شريكي الحكم تؤرق الشراكة وتجعل الخطوة القادمة يلفها قدر كبير من الضبابية في ظل تخاصمهما في التقديم والتأخير للمسألتين ، صحيح أن الترتيب الذي قضت به الإتفاقية يقول بضرورة أسبقية (ترسيم الحدود) علي (الإستفتاء) وذلك هو المنطق الطبيعي ، بعكس أن يتم تقديم (الإستفتاء) علي ترسيم الحدود فهو يأتي بعد تكملة كل المراحل التي تجعل يد المواطن الجنوبي غير (مغلولة) حين يذهب إلي صندوق الإستفتاء للكيفية التي يريد بها إقليمه في الفترة المقبله ، طبيعياً إذن أن يتم (الترسيم) الآن قبل (الإستفتاء) .. أي في ظل وجود السودان بهيئته المعلومة للكل .. فالنفوس هادئة والحديث (رغم سخونته في بعض الأوقات) أكثر لطفاً مما سيكون عليه الحال بعد (الإستفتاء) وإذا ما قرر أهل الجنوب (الإنفصال) لا قدر الله ..!! ، ف(المؤتمر الوطني) يتمسك (بترسيم الحدود) قبل إجراء (الاستفتاء) على تقرير مصير الجنوب أوائل العام المقبل وفق ما نصت عليه الإتفاقية وكما جاء ذلك موضحاً بنصوصها بشكل قاطع .. فالإلتزام بذلك الترتيب يكسب الإتفاقية ألقها وحجيتها ، و(الحركة الشعبية) تري أن ذلك ليس ضرورياً إذا ما لم يحسم أمر الحدود يمكن (للإستفتاء) أن يتم وتقول بأنها متمسكة بذلك ، غير أن القول المنطقي يذهب نحو خطورة إجراء (الإستفتاء) سابقاً (لترسيم الحدود) ففي حالة مثل الحالة الماثلة والتي تقول ب(إستفتاء) الجنوبيين حول إقليمهم يكون وارداً كلا الخيارين .. (وحدة) أو (إنفصال) ففي حالة حدوث الخيار (الثاني) ستكون المفاوضات حول الترسيم صعبة ومعقده للغاية وستأخذ منحاً مختلفاً تماماً ، فكل دولة ستعمل للتمسك برؤيتها نحو حدودها بشتي الصور والطرائق وبالتالي يكون خيار (الحرب) أقرب من التراضي علي وضع مقبول للطرفين ، غير أن الأمر اللافت في عملية تطبيق هذه الإتفاقية هو ما ظل يشوبها من بطء ، فعندما جلس الشريكين تمت تسوية كثير من الملفات في وقت وجيز للغاية وذلك كان عندما تزامن وجود قضايا لم تجاز مع إنتهاء دورة المجلس الوطني وهو المعني بإجازة قوانين وإجراء تعديلات كثيرة لقوانين متفق علي تعديلها وإجازتها بنص الإتفاقية أيضاً ، فلماذا إذن لا يتواضع الشريكان علي الجلوس لحسم قضية هي الأكثر خطورة من بقية الملفات التي طويت بالتفاوض المباشر بينهما في أوقات سابقة ..؟! ، لقد آن الوقت الذي يجب أن يتفق فيه الشريكان حول ما تبقي من مشكلات تكتنف سير هذه الشراكة لحين الإستفتاء لتكون نتيجته وحدة بمعروف أو إنفصال بإحسان ..!! ، هذا أفضل من الحديث للفضائيات والإعلام الذي يزيد من أوار نار لم تخمد حتي بعد توقيع إتفاقية السلام ، فكون (قعقة) السلاح صمتت فذلك لا يعني أن الحرب أعلنت بأن .. أرضاً سلاح ..!! ، فالتوتر السياسي أقسي علي المواطن من تبادل النيران المباشر .. آن للساسة بضرورة الجلوس لحسم هذه المشكلة الأخيرة والحاسمة ، فهناك وقت يسمح بذلك قبل (الإستفتاء) ..!!

Under Thetree [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]