يبدو أن أزمة دارفور تكمن شائكيتها في كون أن إحدي فصائلها المتمردة أو لنقل أكثرها تعنتاً كانت جزءاً من العقلية الفكرية والسياسية التي تحكم ، وكما حدث أهل الحكم من قبل بأن بعض الحركات المتمردة تتلقي إشارات .. أحياناً ضمنية واخري مباشرة لتزيد من تعنتها من قبل طرفها السياسي المنشق عليها (المؤتمر الشعبي) ..!! ، ولعل ذلك هو سر تلك المراوحة وصعوبة إلتقاء طرفي الخصام لنقطة إلتقاء لا يبقون عليها طويلاً فيعودان لنقطة الصفر مره أخري ، ومن صور ذلك التعنت الغير موضوعي (المطالب) المستحيلة وعدم إتضاح الرؤيا وذلك يؤدي دائماً للوصول بالمفاوضات لطريق مغلق لايمكن فتحه .. وبالتالي يفشل التفاوض وترفع بعد أن يتم تزيينها بحديث الدبلوماسية ودمها (البارد) .. بأن الطرفين إتفقاء للعودة لطاولة التفاوض في الأول من ديسمبر القادم ، وتتفاقم الأوضاع علي الأرض .. والمتمردين يزيدون الذين يفاوضون بإسمهم ضيقاً علي ضيق ..!! ، وجدية المفاوضين في الخروج من معاناة أهلهم ومن حملوا السلاح لأجلهم لابد أن تكون هي الأساس دون أي مزايدات تفقد المفاوضات روحها وتجعل الجلوس للتفاوض أشبه بالمستحيل ، ذلك أن المراقب لسير التفاوض يلحظ إنه يغلب عليه عدم الجدية من قبل الحركات ، فهي من جانب (الشعارات) السياسية تتخذ من قضية أهل دارفور موضوعاً تعترك عليه مع الحكومة ومن جانب آخر تطيل أمد الوصول لإتفاق يسمح لأهل دارفور لملمة شعثهم جراء ذلك الترحال المستمر إبتغاء مكان آمن بعيد عن قعقعة السلاح ونهب الحركات لمال القبائل وخطف (صغارهم) بغية تجنيدهم ، فيجد كل المراقبين تناقضاً في (الشعار) السياسي المرفوع و(الرغبة) في الوصول لإتفاق ينهي تلك الحالة المرهقة للمواطن وذلك لسماعها الملتزم لتوجيهات حزبها (المنشق) عن أصلة الحاكم ..!! ، وتشدد الحركات لا يبلغ (أرضاً) ولايبقي (ظهراً) ليتم الركوب عليه للوصول الي سلام دائم ..!! ، والحركات جميعها يبدو التنسيق بينها كما الذي بين (الضرائر) ، فالذي يشاهده الجميع بمنبر الدوحة يقول أن (رضاء) أحدي الحركات في (سخط) الحركات الأخري والتقارب مع حركة لم تكن من ضمن الجالسين في طاولات فندق (الهرم المقلوب) بالعاصمة القطرية الدوحة يجابه بتعنت من الحركة التي تم الجلوس معها قبلاً و .. هكذا ..!! ، فالوصول لصيغة تفاهم وأتفاقيات مع واحدة كفيل بالطعن فيه من الحركات الأخري الرافضة للتوقيع .. بأنها لاتمثل الأقليم المنكوب ، وتوقيعها لا يعتبر الأساس لأنهاء الأزمة ، وبالتالي لابد من الإغاره والهجمات علي الأقليم .. علي (مضارب الأهل) لإظهار (الوزن) و(القوة) والأعتراف بالحركة الرافضة (نفوذاً) و(حجماً) و(وزناً) ومن ثم الدخول معها في مفاوضات جديدة ..!! ، وعلي هذه الخلفية التي يقوم عليها التفاوض حول مشكلة دارفور يصبح توحيد رؤية الحركات يكون ضرورياً ولازماً ، وبغير ذلك يكون التفاوض والأتفاقيات الجانبية لا تدفع في إتجاه إستقرار الإقليم ، وأنما سيشهد توالد حركات جديدة تضيف عنتاً آخر لأهل دافور ، والمحاولات التي يقوم بها زعيم حركة (العدل والمساواة) جعلت حركته في وضع سياسي مزري .. منها محاولات الالتفاف التي وصفها مراقبون بأنها خطوة غير موفقة ولم تقرأ المشهد السياسي جيداً .. فزيارة زعيم الحركة المتمردة للقاهرة (خليل إبراهيم) جاء توقيتها غير ملائماً ، إذ تزامن مع احتدام أزمة مياه النيل التي يقف فيها بلدي (المصب) في مواجهة دول (المنبع) معاً وبتنسيق مشترك ، فذلك التوقيت أسهم في أن يغادر زعيم حركة (العدل والمساواة) القاهرة (برغبته أو برغبة مضيفيه) دون أن يحقق ما كان يرجوه الرجل ..!! ، وتكاد المكاسب السياسية التي حققها الرجل وحركته في مفاوضات (الدوحة) تتحول إلى خسائر، خصوصا أن المتغيرات السياسية المتسارعة في الجوار السوداني والإقليمي قد لا تبقي الأيدي الممدودة إليه بالتفاوض تظل ممدودة طويلاً ..!! ، وحتى ما إعتبرته الحركة التي ينظر إليها بإعتبارها أقوى الحركات المتمردة بدارفور في البداية (مكاسب) ميدانية خلال الاشتباكات الأخيرة مع الجيش السوداني لم تلبث أن تحولت إلى (خسائر فادحة) ، ففقدت الحركة بالكامل (جبل مون) مركز قيادتها ، وفقدت كثير من عناصرها .. تماماً مثل ما جنته الحركة عشية دخولها (الأرعن) لمدينة أمدرمان الذي أفقدها أيضاً عدد من قياداتها الميدانية والسياسية المؤثرة ، مجريات الواقع تقول إن حسابات زعيم حركة (العدل والمساواة) لم تبلغه مقصده الذي خطط له ، وذلك نتيجة لتوثيق العلاقات الدبلوماسية بين تشاد والحكومة السودانية ، إضافة لحاجة مصر للسودان في معركتها لتحافظ علي حصتها (التاريخية) في مياه النيل ..!! ، لهذا الموقف السياسي المحيط ب(السودان) و(تشاد) وغيرها من دول المحيط الإقليمي للسودان (يرغم) زعيم (العدل والمساواة) للنزول بمطار (الدوحة) واللحاق بالتفاوض الذي لن ينتظره طويلا ، فهو قطعاً سينطلق ببقية (الحركات الأخري) ويبرم معها إتفاق سلام .. وبعده يكون (خليل) و(حركته) مطارداً من جميع أهل درافور وحركاتها التي وقعت سلاماً مع الحكومة ..!!

نصرالدين غطاس

Under Thetree [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]