عندما تجملت الأحزاب لإنتخابات الديمقراطية الثالثة (أظن) تلك التي أعقبت حكم الرئيس الأسبق (نميري) .. تبع تلك الحملة الإنتخابية حديث من الأحزاب المتحررة من قبضة (الأسياد والأئمة) شعارت أطلقتها هذه الأخيرة تعنف فيها ركون بعض الناخبين للإشارة التي تأتيهم من هؤلاء (الأسياد) أو أؤلئك (الأئمة) ، ونادت تلك الأحزاب بضرورة تحرر العقول من الأحزاب الطائفية التي عملت علي إلغاء عقول الناس وجعلة مجرد (مخ داخل فاخورة كبيرة) تعتلي جسد الناس .. لا غير ..!! ، وقد تفاخرت تلك الاحزاب (الحديثة) بجذبها لأولاد الخلفاء والنظار والاسياد والامراء لصالح برامجها ، فقد إشتهرت في تلك الفترة الهجوم الكاسح علي ذات الاحزاب التي خرجت بنفس عبائتها القديمة وبذات نوع القماش حتي ، لم تضع احزابنا التقليدية أي إعتبار لا للزمن الجديد ولا للواقع المتغير ولا للإنسان غير ذاك الذي حافظت علي وضعة داخل (قفطانها) البالي والمهترئ ، فقدمت لنفسها بذات الإيقاع الذي خرجت به في عام 86 وحصدت أصوات الشرق والغرب ، وفرحتها بتلك المقاعد التي مكنتها من تشكيل الحكومة .. أنستها الإلتفات لمقدار الإختراق الذي أحدثتة القوي السياسية الجديدة بجسدها الهرم خاصة تيار الحركة الإسلامية الذي خاض إنتخابات ذلك العام بالواجهة السياسية التي اطلق عليها (الجبهة الإسلامية القومية) ، فسارت خلف فرحها بمقاعدها التي دخلت بها للبرلمان ..!! ، ومرد ذلك بطبيعة الحال إن عدم إلتفات تلك الاحزاب لذلك الغختراق (الكبير) الذي رآي كل المراقبين إلا تلك الاحزاب يرجع لتكوينها التنظيمي والفكري الذي لا تتجاوز حدوده أرجلها ، فبالكاد تتحسس نوابها الداخلين للبرلمان من (البيتين الكبيرين) ، كان ذلك هو حدود تفكيرها لا اكثر منه ..!! ، كانت تلك هي البنية التحتية التي تقف عليها تلك الاحزاب الطائفية أو التقليدية ، وبذات منصات إنطلاقها القديمة .. تقدمت لتنال ثقة الشعب السوداني للمرة الرابعة علي التوالي ، غير أنها هذه المرة جاءت بإحتماء أكثر من ذي قبل بالبيوت وأسماء الاولاد ، فحشدت كل الاحساب والانساب في مكاتبها التنظيمية وبدوائرها الجغرافية (المضمونة) في ظنها وما درت إن ثمة تغييراً كبيراً طرأ علي واقع الخارطة السياسية بالبلاد فتقدمت بخلفيتها القديمة لأنصارها ومناطق نفوذها القديمة ، دخلت الاحزاب (التقليدية) لسباق الإنتخابات غير بعيد تكون قد وزعت حقائب وزاراتها بنفس طريقة توزيعها لأمانات الحزب علي الأبناء والاحفاد و .. الخلص من التابعين ، لم تكن الاحزاب وهي تتحس جماهيرها بمناطق النفوذ التقليدية غير المناصرة والمؤازرة لمرشحيها .. ليس ضرورياً ان تكون لهم أو لأحزابهم برنامج أو فكرة يقدمونها بين هؤلاء ، فالإشارة تكفي ..!! ، لكن والقادة (الكبار) وهم يبدأوون لقاءاتهم التعبوية .. لم يجدوا أحداً ولم يسمعوا هتافاً بطول حياتهم وتمددها ..!! ، غير أن الطائفية بطبعها تختزل أي ظاهرة بعدم دراستها لها وبقولها إن هؤلاء مجرد (منكرين) للبعث واليوم الآخر ..!! ، لم تدرك أن نوعاً جديداً من الناخبين بدأ يتشكل في الحياة السياسية السودانية ، وأن تعاطياً مع السياسة جديداً لم يعهده هؤلاء السادة قد بدأ أوانه وحان وقته ولم يشعر به هؤلاء ، لم تعتقد تلك الاحزاب أن ناخب اليوم يعبأ ويهتم بالبرنامج وبجدية الحزب والنظر لتاريخة وعطائة .. أكان أسوداً كتاريح أحزاب الطوائف والبيوت أم أبيضاً .. يجب أن يعزز بالصوت والمؤازرة وتجدد الثقة فيه ، جاءت تلك الاحزاب وهي تخفي بين أوراق لعبها نفس الكروت القديمة ، وما درت ان قوانين اللعب قد تغيرت وأن ثقافة جديدة للناخب أصبحت شاهدة علي ما أنجز من مشاريع عملاقة .. لا تقبل بدونها ، ولأن تلك الأحزاب لا تقوي حتي علي المحافظة علي حكومتها ولو لشهر واحد .. أدارت لها ظهرها ..!! ، فكانت نتيجة صندوق الإقتراع بمنطقة (كدباس) كنموذج لإدارة الناخب لظهرة لتلك الاحزاب وفي منطقة تمثل نموذجاً متقدماً لمناطق النفوذ ، جاءت نتيجة صندوق الإقتراع ب(كدباس) بصفعة (صنت) لها آذان الطائفية بنوعيها ، فوز كاسح لمرشحي المؤتمر الوطني ، في مقابل أصوات لا ترقي للإجتهاد بحسابها ، فقد نال مرشح المؤتمر للرئاسة أكثر من (400) ضعف ما ناله مرشح الختمية للرئاسة ، وكذا الحال لمرشح والولاية (الهادي عبدالله) ومرشح الختمية والإتحاديين (البخاري) ..!! ، وفي النموذج (كدباس) دلالة تعيد قراءة المشهد الإنتخابي برمتة من جديد ، فإن أمراً جديداً قد حدث وان قوة جديدة قد غيرت عقلية الناخبين بالسودان بدرجة فاقت ال(360) درجة .. فهل تعي تلك الاحزاب ذلك التغيير أم إنها ستعلن الإنسحاب حتي من الإنتخابات القادمة .. بعد (4) أعوام ..!!

 

نصرالدين غطاس 

 

Under Thetree [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]