عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

1
بثوبها الناصع البياض المصنوع من قطن الوطن المروي بمائه الزلال وأرضه الخصبة ، وقفت ايقونة الثورة" الكنداكة" بأقراطها الذهبية في تلك الساحة معلنة اتصال حلقات التاريخ. ذاك اتصال يمليه منطق تتالي الأيام التي يداولها الخالق بين عباده ومنطق أن شمس الصحراء التي سطعت يوما على اقراط الملكة أماني رياناس براقة وقوية احتفاء بصدها للرومان عن حدود مملكتها الجنوبية ، هي ذات الشمس المدرية التي سطعت على أقراط كنداكة اليوم وهي تشحن الجيل بأوار جديد وتثير فيه سير البطولات و نقع التاريخ.
النقع هو الغبار المثار أو التراب في مكان معترك الخيول وفي القرآن الكريم "فأثرن به نقعا ووسطن به جمعا".ولا بد من أن الفوارس الرومان قد شبعوا غبارا في صولات الملكة أماني ريناس وهي تصدهم صدا عن أسوار مملكتها الحصينة. ويذهب بي خيال تاريخي حنون إلى نحت معني آخر للكنداكة منحوتا من مجمل انتصاراتها التاريخية والمعنى اللغوي للتراب. إنني هنا أضيف تعريفا تاريخيا للملكة أماني ريناس فهي ملكة الانتصارات التاريخية المثيرة للغبار. فهي "تكندك" أعداءها ببسالة وجسارة . قال تعالى " فأثرن به نقعا ووسطن به جمعا" وأتمنى الا أكون شاطحا بأن مسمى كنداكة والذي هو شائع في الشمال النوبي ومنحنى النيل يعني الغبار أو التراب المهال على الناس في يوم عاصف. هناك يقولون أن فلانا " مكندك" أى مغبر . وليس أدل على أن الملكة السودانية أماني ريناس "كندكت" الامبراطورية الرومانية من أنها استجلبت تمثال رأس القيصر ودفنته في رمال الصحراء عند مدخل معبدها ليطأه الناس امعانا في الاذلال.
واضعو مناهج بخت الرضا سابقا ، أدخلوا سيرتها في المناهج حتى اذا ما استوى طلاب الشهادة السودانية أوائل السبعينات للامتحان ، كان السؤال في ذلك اليوم الذي كان هبوبيا عاصفا ، عن اسم الملكة السودانية التي حاربت الرومان . لاحظ الناظر الراحل محمد طه عبدالعزيز حيرة الطلاب فمنحهم تلميحا ذكيا مشيرا الى "الكنداكة" دي يقصد الهبوب ...لا تمنعكم من الشغل فتذكر الأذكياء اسم الملكة عبر الايحاء الذكي الذي طرحه الناظر" يدور لغط شديد الآن حول مناهجنا ونحن أمة مستهلكة للمصطلحات. فبدلا من أن يجلس الخبراء فورا لكتابة المنهج المرجو مركزين على المعاصرة والتقنية والوجدان والتفكير النقدي دخلوا في جدل عقيم تماما كالمفاوضين لأجل السلام حيث أدمن الناس عبارة "مخاطبة جذور الأزمة " علما بأن مخاطبة الجذور تأتي عبر برنامج عمل طويل المدى يرسخ لثقافة متفق عليها لادارة البلاد ، لا جلسة محاصصة ترضي طموح من جربوا لذة السلطة يوما فتنتهي الجولات ولا مخاطبة ولا يحزنون!! جربوا لذة السلطة وحصاد المنازل والسيارات فجاؤا يشترطون ويطلبون حليبا كامل الدسم من ضرع بقرة الوطن العجفاء.

2
عدت يا سادتي وكنداكة ديسمبر العاصفة تهز نخلة الوطن فتمطر عليها رتلا من ثمار الشهداء. هناك فاجأها المخاض. وأنا ....أنا ما شأني ؟؟ عدت الى الوطن بعد غربة طويلة مالحة الأصداء تاركا أسرتي في واد ذي زرع من أودية الغرب الأمريكي. ولأنني عند توقف الطائرة في مدرج مطار الخرطوم كنت مؤمنا بأن القدر جعل كل أرض الوطن مسجدا وتربتها طهورا ، لم أحتاج الى كاميرا تضبط حركة سجودي ولا وزير اعلام ليستقبلني في صالة كبار الزوار فلم أكن يوما اسفيريا صخابا أو مناضلا اسفيريا يخيف الحكومة. حب وطني الذي في ضلوعي سعيت به مع ديوانين شعريين لمكتب الوزير مع مقال كورقة عمل اعلامية . ايمانا بدوري كاعلامي وباحث لا ليستوزني ساعدته أو يستزورني أو يسدد خطاي بمنحة وظيفية فأنا موظف في حب بلادي وباحث وكاتي ومترجم وأستاذ جامعي وتربال وعازف طنبور وعاشق حقيبة. والوزير الذي يستقبل بعض الشعراء العائدين عبر المطار المتلفز ، توقعت منه المساواة على الاقل بما يفيد باستلام بطاقة الحب الوطني التي تعكسها أعمالي حتى لا يذهب بي الظن أن عقلية التنميط والانتقاء لا زالت سائدة في من يتولون مقاليد أمورنا الثقافية أو أن رؤى المبدع يهال عليها التراب في غبار التزاحم بالمناكب على المناصب والسفارات الناصية على حد تعبير دبلوماسي سابق طواه النسيان .
عندما عدت الى الوطن ، وجدت نفسي في زحمة المشهد الجبار ، أمام تلك الكنداكة بثوبها الأ بيض الناصع متغنيا مع التاج مصطفى:
هيامي بيك يا فاتن مصدرو الإنصاف
انصفتا حسنك حب وانصفتا حبي عفاف
ذوبت قلبي معاني انيقة في الاوصاف

هناك وفي حضرة الوطن غنيت مع الجموع أحبابي يا عينيا أنا ....وجوهر صدر المحاسن. تذكرت أحبابي في مدينة مونتري وأصدقائي في معهد الدفاع وجدة والرياض ولندن وباريس والخليج ...كم تمنيت أن يكونوا هنا للتأمل في هذه الوجوه الجميلة الصادقة السمراء..تمنيت في الحقيقة حضور الكثيرين من الناس لنيل كورسات في "منهج" حب الوطن والتعلم من هذه الارادة الندية التي فجرتها الكنداكة ذات الأقراط الذهبية.