عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

إن العاشقين في أغنية ربيع الحب ونجواهما في ذلك الربيع ، كانا يناجيان الطير من غصن لغصن. وربما والعاشقين في تلك الأتون الجميلة ، لم يفت عليهما الطلب من الطير أداء بروفات ليسمعها شاعر الهيام والتأمل ادريس جماع منحوتة من أوجاعه وتجلياته العاتية:
تذهب الساعات من عمري قربانا لفني
أتبع الموجة طرفي ولها أرهف أذني
وأنطباع الزهر في الغدران يستوقف جفني
وانتفاضات جناحين على أوراق غصن.

والحقيقة أن ربيع الحب ، تتلبسني فيها حالة من الهيام الغامر عندما أحس أنها تتسمعني وأسمعها من الرائع لخالد سيد خليفة الذي لخص وحدة الوجدان السوداني في نيلين عظيمين ما اختصما وما اشتجرا. طيب الله ثرى العاشق الغريد سيد خليفة وأمد الله في أعمار عشاقه يستمعون اليه من خلف المجرات والسدوم فيطهرون أرواحهم من رجس اليوم العابس وعذابات الحنين إلى زمن أجمل مذعنين لصوته الساحر المترع بالصبابة الحب ومعاني اللوعة والحنين.
في أغنية ربيع الحب ، يبدو لي أن إقتران كلمة "أرجاء" مع كلمة "العمر" هذا الذاهب المولِّي .....بسمة منك تشع النور في أرجاء عمري ، تحيل حياتنا إلى فضاء لا متناه من الإمتدادات الجمالية حتى بعد أن تنقضي حياتنا لأن العالمين الأول والآخر لا يربط بينهما غير الجمال فما عداه فراغ وضياع ورحيلنا من هذا العالم هو رحيل إلى الله الأجمل الذي يستوى على عرش جمال هذا العالم الذي أحسن صنعه . إن بسمة المعشوقة هنا ، كزر مصباح كهربائي يبدأ تشغيله مع انطلاق البسمة التي تنتج في أرجاء عمر العاشق نورا وهاجا متلون الصور بديع الإنهمار. وربما يذكرنا هذا المسرى الكهربائي بيت الشاعر المصري محمد عبد الحليم عبد الله:
يا كهرباء الحب رفقا إنما
هذي الأنابيب الضعاف عظام.

2
حتى عذابات الناس في وطننا وقفت تودع فصل الخريف مثلما وقفت أزهاره وينابيعه وجداوله وطيوره لوداع أسراب الطيور التي قضت فصل الخريف في الوطن ، عائدة إلى أوطانها ومناهلها. وعودة إلى لغة الشاعر إدريس جماع ، فإن تلك الطيور تفتتح بعودتها أرجاء جديدة في فضاءات الكون لتحدث العالم عن السودان بعد أن أشاعت بإنتفاضات أجنحتها على ضفاف الوطن أنوارا ساطعة في عمر عازة.، التي كان رمانها "شايلا" وخضابها حنائها من طمى الضفاف وأسورتها من عراجين النخل وعطورها من الهشاب وأزهار المانجو واللارنجة والجوافة.. هناك فرغت أطيار الوطن من توقيع آخر ألحانها الوداعية للضيوف المسافرين من أسراب الطيور الأجنبية وحيث احتنت حمامة من رمل الشاطيء وتعطرت قمرية برائحة ياسمين ولبس ود أبرك "على الله " من دمورية الوطن" بينما وضعت قيردونة في معصمها سوارا من سعف القنديل.. عصفورة صغيرة صممت كهدايا لفراخ السرب العائد عقودا من النبق والسكسك والخرز وعجوة الوطن.
من جزيرة صاى يروي بحزن وحرقة تفاصيل حفل وداع أقامه للسرب المسافر في ‘ طاؤوس إحدى غابات جزيرة أم الطيور. قال أنه اقترب ذات يوم من عش بلبلة من الهند وهي تترنم بأغنية للجابري:
هات يا زمن
هات كل أحزانك تعال
جيب المحن
قال الطاؤوس اقتربت منها وعرفت قصتها الغرامية مع بلبل سوداني. لم يستغرق مني اصحاح العلاقة بينهما طويلا. في يوم الزفاف ، حضرت مجموعة من شيوخ الهداهد وديوك رومية وطيور سمان وبعض العازفين من طيور الحبارى ، ويومها وقف البلبل العريس بتنغيم عال على كمنجة من أغصان البان:
الطيور الراحلة في ضل المسا بتسأل عليك
كيف تفارق الضفة والنيل هان عليك
وبرضو مشتاقين
قال الطاؤوس : علمت فيما بعد أن البلبلة عدلت عن الرحيل فاستقر بالزوجين المقام على تبلدية في أقصى الغرب ورفضا عدة مرات عروضا بالهجرة الى لبنان فرزقهما الله من البلابل ما يكفي لاقامة كل حفلات جزيرة مقاصر وتبرعت أنا بطلاء البيت بتشكيلة من ألواني المختلفة.

3
"سفر" هي جذع ثلاثي لكلمة سفر وسفير ومسافر و أسفار جمعت في تقديري لغة ووجدانا ومهاما بين سعادة السفير عبد المحمود و سرب الطير العائد إذ هو يرسل لي صورة السرب العائد في الواتساب عبر السحب وتلك صورة أثارت في قلبي أمواج ذكريات وأشجان عبر الموانيء والمطارات :
تأبى المقادير إلا أن تكلفه
للرزق سعيا ولكن ليس يجمعه
أنه وهو في حل ومرتحل
موكل بفضاء الله يذرعه.
جاءت رسالة السفير عبر الواتساب لطير باسط أجنحته عبر السحب . عائدا الى مواطنه متسائلا ...ماذا ستقول تلك الطيور عن السودان؟؟ بعد وصولها. ولأن "الأرجاء" التي بدأت بها سيل خواطري هذه هي بعد ابداعي رأيناه يتخذ أوجها وتعبيرات عدة لدى عديد من مبدعينا الدبلوماسيين وغيرهم ومنهم سفير النيل عبد المحمود ، ولأن الأرجاء كانت من سنن عيشي متنقلا هنا وهناك في هذا العالم ، فقد استهواني سؤال السفير عن تقارير الطيور العائدة الى بلادها. تخيلت أن كل مبدعينا الراحلين الذين بثوا شكواهم الى الطير تصطف أراحهم مرفرفة بأجنحة من الضوء عند مقرن النيلين مودعة للسرب العائد.
السفير مولَّه بهذا الوطن وألحانه فقد أرسل لي قبل أن نتبادل الخواطر في مساجلتنا عن الطير أغنية "مرضان باكي فاقد" حيث كانت رؤيته أن طير عاشق عائد ظل يرددها عن معشوقته في الوطن فبات الأمر بالنسبة لي أن يبتدر المساجلة بوقوع الطير المسافر في شراك الحب العذري في وطننا:
مرضان باكي فاقد
فيكي علاج طبيبي
قالوا ترك سكونك
يا دار وين حبيبك
إن السفير هنا يقول بأن تلك الأغنية ربما رددها طير عائد باحثا عن أزمنة الحب العذري في موطنه ولكن على أية حال فإن الحب في تقدير كلينا حب عابر للمسافات وما يهم هنا الجزء الخاص بوطننا كمأوى وكملاذ للعاشقين والطيور التي تطلب العيش حيث نوه السفير الى البيت:
بلادي سهول .. بلادي حقول .. بلادي الجنة .. الشافوها أو للبره بيها سمع .
بلادي أنا تكرم الضيف وحتى الطير يجيها جعان .. من أطرافها تقيها شبع
قلت له "يا دار وين حبيبي هي لسان شكوى بها لواعج لطير جاء إلى الوطن زائرا وخرج منه عاشقا وعندما استقر به المقام في موطنه "تاورته" نوازع الشوق مغنيا:
أنا لى مدة ما شاهدت غصني
اليانع فيهو ثمري
وهناك في الموطن ، كانت زورة الطيف العابر تؤرق مضجعه. الطيور بهذا الفهم تعشق على الموانيء الأجنبية تماما مثل شعراء هذا الوطن الساحر ودونك سيد احمد الحردلو وصلاح احمد ابراهيم ومحمد سعد دياب وغيرهم .يأسرني الحردلو مثلا على أرصفة بعيدة :
لقيتِك واقفه فى كل المطاراتْ
ومتظرانى بالشوق والبسيماتْ
وايدِك راعشة بِتقول لىْ .. سلاماتْ ،
لقيتك فى محطات القطاراتْ
والتُلوج نازلات على وِشيشك وصاباتْ ،
وإنتِ تحاحى بالتوبْ .. الدِميعاتْ

"يا دار وين حبيبي" تساؤل موجع وحنون وإنني لأعشق التساؤلات في الحب ومنها في ذاكرتي رجع صدى لفنان طنبور قديم في منطقة منحنى النيل شمالا:
يا الله الزول منو
يا خلايق الله الزول منو؟
جنى الوادي ..الزول منو
الحارق فؤادي الزول منو
الأهلو بى غادي الزول منو
قال السفير مستطردا ومؤكدا ....يا طير يا ماشي لى أهلنا ...بسراع وصل رسايلنا ...هذا صالح الضى. إن الطيور أكثر مخلوقات الله التي تواصل معها العشاق والشعراء..فهل هناك علاقة بين رفرفة أجنحة الطير وخفقان قلوب العاشقين؟
قلت : علينا أن نعرف أن الطيور التي تحلق ويطلب منها العاشقون ايصال رسائلهم إلى الأحبة تسافر عبر رحلة من التنظيم والسهر والمعاناة ، فإن استغلال فوائد التحليق في نسق جوي هو أمر أكثر تحديًا بالنسبة للطيور منه للطائرات ذات الأجنحة الثابتة – فالطيور لا تحتاج فقط لضبط مواقعها بالنسبة لبعضها البعض، بل أيضًا يجب عليها أن تزامن ما بين رفرفة أجنحتها وهذه ميزة هندسية من رب العالمين. لقد قرأت في أحد المواقع أمرا ذكرني بطلب الرائع صلاح أحمد ابراهيم للطير المهاجر ..وكان تعب منك جناح في السرعة زيد ما يلي:
" الأساس الذي يؤدي إلى توفير الطاقة أثناء الطيران بنَسَق، ينبعُ من الطريقة التي تُحرِّك فيها الأجنحةُ الهواءَ أثناء حركتها لتوليد حركة صاعدة، تُسرِّع الأجنحةُ تدفقَ الهواء فوق سطح جسمها الأعلى بسرعة أكبر من تدفقه تحت سطحها السفلي. ومن ثم، نسبة إلى الهواء الساكن الذي تتحرك الطيور عبره، تُولِّد الأجنحة صافي حركةِ تدفقٍ دائرية من الهواء المتجه نحو الخلف على السطح العلوي ونحو الأمام تحت السطح السفلي. وكلما زادت سرعة الدورة التي يولِّدها الجناح، ارتفع مقدار الصعود الناتج عن ذلك. والدورة عند طرف كل جناح تلتف لتولِّد دوامة طرفية، وتمتد إلى الوراء مثل أنبوب، على شكل "حدوة" حصان - تمتد أكثر فأكثر مع حركة الطائر إلى الأمام "
أحد شعراؤنا الذين وصفوا حسن المضيفات على رحلة شركة طيران بلد شقيق بقوله"والمضيفات على ذلك الخط كطيور الكناري " فالعلاقة بين خفقان قلب العاشق وانتفاض أجنحة الطير هنا جرم جميل ، ولكنني أذكر هنا بشكل خاص خفقان يرقى الى مرتبة اهتزاز الجسم كله كما في رائعة أبي صخر الهذلي:

وأني لا أدري إذا النفس أشرفت
على هجرها ما يبلغن بي الهجر
تكاد يدي تندى إذا ما لمستها
وينبت في أطرافها الورق الخضر
وإني لتعروني لذكراك هزة
كما انتفض العصفور بلله القطر.
هنا تنشأ لغة أخرى موازية لهذا النص .. لا تراها ولكنك تحسها وترتبط بها حتى لتحس أن رذاذ الماء الناشيء عن انتفاض أجنحة الطائر ، يبلل وجهك وثيابك ويدخلك إلى عالم شجي له تراسل بين ذكرى المحبوب والطائر كرمز لهذا الحب . هذه هي اللغة الموازية التي أقصدها وأراها هنا مواتية جدا في تحقيق الإرتباط بين الذكرى كمفهوم مجرد وإحساس غامر وبين الطير ككائن له القدرة على تحفيز العاشق...
مع السرب الأجنبي المسافر مضيت قدما في مساجلتي مع السفير لأقول أن الشفيع غنى لطائر الجنة واسماعيل حسن طير الرهو ومنى الخير يا طيور غني والطير كان مع أبي العلاء المعري باحثا عن طيف الحبيبة على نجم بعيد:
أقول والوحش ترميني بأعينها
والطير تعجب مني كيف لم أطر
إننى أرى أن المعري كان يتوق إلى رحلة فضائية إلى أحد النجوم متقدما بذلك على المستكشف الأمريكي باثفايندر الذي أرسله الأمريكان بحثا عن حياة على الكوكب الأحمر، فكان المعري ممتطيا جناح طائر مستغلا حالة عجب الطير كيف أنه لم يطر واستعداده للمساعدة والطير يعرف سلفا أن الإنسان لا يطير وربما كان الطير هو رافع رحل المعري نحو النجم في تلك الرحلة الفضائية بحثا عن المحبوبة:
لو حَطّ رَحْليَ فَوْقَ النجْمِ رافِعُه
وجَدتُ ثَمّ خَيالاً منكِ مُنتظِري
يَوَدّ أنّ ظَلامَ اللّيْلِ دامَ له
وزِيدَ فيهِ سَوَادُ القَلْبِ والبَصَرِ
هناك في تقديري موقف معاد وسلبي للوحوش تقف شامتة بعاشق متوله وطير محفز ومواس حيث يرى المعري فيما أرى ، أنه في عرف الطير لا يدرك خيال العاشق وطيف الحبيبة إلا من يطير وربما في هذا الإتجاه غنى الكاشف بتوله وحرقة:
أنا يا طير موله....محزونن لأني
وحبيبك معاك ....وحبيبي غاب عني
قال: بعد كل هذا الجمال، يأكل الناس لحم الطير شهيا طريا. أعجبت ببناتي في الهند فمنذ ذلك الزمن وحتى الآن صرن نباتيات توقفا عن أكل اللحوم تضامنا مع الطير.
قلت: الطير يستحق التضامن معه، بل أن علينا إمعان صوت القلب لفهم لواعجه. إن الطير فيما يروى هو الذي ترجم لسيدنا سليمان عليه السلام لغة النمل وللطير منزلة خاصة لدى رب العالمين" أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل خلق بصير " وعبارتك بأن موضوع الطير أثار في داخلك عاصفة من الأحاسيس ، عبارة آسرة وهي مواتية لأغراض هذه المساجلة في حضرة الطير. ولنتذكر أن واضع المناهج في بخت الرضا سابقا ، كان قد شد انتباهنا في أناشيدنا عن الطير في كتب المطالعة عن جماليات الطير ودوره في إضاءة حياة البشر بالشجو والصبابة وأغاني الحنين ودونك علي الجارم:
طائر يشدو على فنن
جدد الذكرى لذي شجن
قام والأكوان صامتة
ونسيم الصبح في وهن
هزه شوق الى سكن
فبكي للأهل والوطن
قال: الطيور أساسا قدمت نفسها لنا في سنين العمر الغضة عبر كتاب المطالعة:
نحن الطيور أيها الإنسان
بذي الجمال خصنا الرحمن
: للقمرية في خافق كل محب يد سلفت ودين مستحق. لقد إرتبط صوت القماري عند المغارب بجوار حبوباتنا مع القمري مستفسرات عن من الذي سيأتي به القطار من "السكاكة"، وهنا قاطعته: تدربت بعض الحبوبات ومنهن العمة زينب بت عشماني على لغة القمري بشكل خاص فكانت تسأل القمرية وترد القمرية على الفور بصوت منغوم لترد عليها العمة بعبارة "حامدنو .....شاكرنو" دلالة على أن التواصل بينهما قائم على الفهم والإدراك والتجاوب . أنا شخصيا كنت شاهدا على مثل هذا التراسل اللغوي ..القمرية بأعلى النخلة والعمة زينب في ظلها. وبعد حلول الظلام تأتي فترة انتظار اللواري في القرية بالقادمين من البنادر البعيدة بعد أن يفرغ القطار حمولته في تلك اللواري التي يقف أصحابها على الرصيف مرددين أسماء القرى على ضفة النهر استقطابا لأهلها العائدين في رحلة أخرى موازية للنهر عبر تلال الرمال العاتية.
قال: يبدو أن أسراب الطيور العائدة إلى مواطنها ستتحدث في حلقات تلفزيونية موجهة لأنهار وبحار وغابات العالم عن تجربتها في السودان وربما قال طائر حصيف: الناس على أرض النيل يشبهون حسانهم بالأسراب. نحن كطير يعجبنا ذلك بالتأكيد عندما نجلس قبيل المغيب على أعشاشنا في شارع النيل بأم درمان ....حيث يأتي من العالم الآخر صوت حنون ....حسن عوض ابو العلا عبر حنجرة فنان رائع لهم ارتحل عن هذا الكون وما ارتحل صداه هو الفنان سيد خليفة:
أى سرب يتهادي... بين افياء الظلال
يتثني في جمال .. ويغني في دلال
مثل عقود تدلي بشغاف القلب مال
كطيور حالمات سابحات في العبير
وصلاة ودعاء وابتسام في سرور
ياملاك الحسن مهلا انت في زهو الشباب
وانا قد صرت كهلا من جوي الوجد المذاب
لو هوانا كان عدلا ما جفا ثغري الشراب
قلت: ربما قال حكيم من حكماء الطير عن أغنيات الوطن: نحن معشر الطير نتخلل أغانيهم ونتمشى في مفاصلها كتمشي البرء في السقم . في رائعة حسن عوض أبو العلا تلك، كان الطير شاهدا على سهاد العاشق وكان مثالا لتثني الغيد وترجيع الربابات وصلوات العاشقين وابتساماتهم ، رغم الضيم الذي لحق بالمحب والضنى الذي اعتراه.
قال: ربما شوهد حبارى في اجزر الكناري يحادث طائر سمان عابر إلى مياه الوطن قائلا: عليك بعد وصولك بحضور أى مهرجان غنائي فستجدنا نحن معشر الطيور رفقاء للعاشقين الذين ينشدون نجوانا . إنني كطائر أحس أنني أعيش في دماء أحد شعرائهم رغم ارتحاله عن هذا الوجود منذ عقود. اسمه ادريس جماع . قاسى من منعطفات التوجع والشكوى وظلم الناس. مات ذاهلا بعد أن قتلته الرقة لأن هيامه وتجلياته العاتية كانت أفلاطونية إلى حد التلاشي فهو في ربيع الحب والعالم حوله صخرة ويا للفرق:
في ربيع الحب كنا نتساقى و نغني
نتناجى ونناجي الطير من غصن لغصن
ثم ضاع الأمس مني وانطوت في القلب حسرة
إننا طيفان في حلم سماوي سرينا
واعتصرنا نشوة العمر ولكن ما ارتوينا
إنه الحب فلا تسأل ولا تعتب علينا
كانت الجنة مأوانا فضاعت من يدينا
ثم ضاع الأمس مني وانطوت في القلب حسرة
قال: لا تنس أن الطير المهاجر ، كانت إحدى روائع وردي وصلاح أحمد ابراهيم ووصيته كانت " وكان تعب منك جناح في السرعة زيد وهذه الوصية استلهمها دائما في أداء واجباتي مهما كانت الرياح المعاكسة وهي تنسجم مع وصية شيخنا عبدالحليم ...يا ولدي أوصيك بالإخلاص في العمل..... في عملي أذكر دائما الحمام الزاجل الذي قام قديما بتأمين المراسلات الدبلوماسية. وهنا تذكرت مرسالا آخر للهوى في شرعة المحبين هو القمري لدى سيد عبد العزيز .. فريد عصرو المامتلو شي :
غِنى القٌمر على الغصون .
. ذكرنى الُدر المصون
فريد عصـرو الما متلهْ شئ ..
قمرنا الليكـ متربصون ..
بالغصن البزرى الغصون
ملاكـ محروس داخل حصون
.. شمس الكون تشبه وشيه
قاسي سماع لهجه الحنون ....
عظيم كالمال حلو كالبنون
ولئن كان الحمام الزاجل مؤتمنا على المراسلات الديبلوماسية ، فقد كان في عالم الهوى العذري أيضا مؤتمنا على أن يوصل الرسالة إلى رموش الحبيبة بشرط ألا يغازل ، كما رائعة التاج مصطفى "الذوق والجمال":
قالوا العاشقين للحمام الزاجل
انت يا حمام في القريب العاجل
توصل المحبوب بس أوعك تغازل
تجرح المريود الخدودو سادة
قال : يبدو أن الطيور تتزاحم اليوم في ساحتنا بمناكب من ريشها الملون في استديوهات عالية النقاء من بدائل الإخراج الفني.
قلت نعم وربما كان مناسبا الإشارة إلى عادة إطلاق الطير كعادة جاهلية فإما أنه طار يمينا فيمن قادم أو يسارا فعسر متوقع . وفي سورة يس " قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب اليم" وهناك شاعر مجيد هو المقنع الكندى أتى على ذكر التطير:
وإنْ زَجَرُوا طَيْرًا بِنَحْسٍ تَمُرُّ بِي زَجَرْتُ لَهُمْ طَيْرًا تمُرُّ بهِمْ سَعْدَا
وَلاَ أَحْمِلُ الْحِقْدَ الْقَدِيمَ عَلَيْهِمُ وَلَيْسَ رَئِيسُ الْقَوْمِ مَنْ يَحْمِلُ الحِقْدَا
لهُمْ جُلُّ مَالِي إِنْ تَتَابَعَ لِي غِنًى وَإِنْ قَلَّ مَالِي لَمْ أُكَلِّفْهُمُ رِفْدَا
قال: طبعا لأجدادنا العرب فصول ومواقف مع اسراب الحمام والقطا كرسل إلى الحبيبة وتلك علاقة أراها شبيهة بعلاقة بعض المحدثين بالنوارس و طيور البحر. إنني قرأت بشغف مقال لك أظنه نشر في آخر لحظة ذكرني بعمنا عبد الله ود عايد وصيد القطا وتلك مقاربة تاريخية أظنك تحدثت فيها عن الطير وذكرت شاعر الهوى العذري قيس ابن الملوح.
قلت .. نعم تخيلت في ذلك المقال أنه عندما كان شاعر الحب العذري الأموي قيس بن الملوح يمر عابراً لقرية الأركي لحضور عقد قران في نواحي منطقة كوري والسدر على صهوة جمل اسمه الأصهب، كان عمنا عبد الله ود عايد يولم لبعض أهله القادمين من العاصمة، حفيف النخل، وأصوات الرتاين، وقِرب المياه، والمفارش والبروش أمام البيت.. وضجيج النسوة صانعات الصواني الكبيرة داخل حوش ودعايد.. رحب الأهل بالشاعر القادم من عصور الهوى العذري، ‘عمنا عبد الله أسمع الضيف العابر مقاطع قديمة للنعام آدم من أعنية يا يا حمايم زيدي نوح:
روحى فى ريدكم جات تروح
يا حمايم زيدى نوح
قلبى بى نظراته مجروح
يا مريسيل من عندى روح
اكتم الاسرار لا تبوح
تلقى رايقه وجيهه الصبوح
النغيمه بلابل الدوح
قول لها المجنون زاد جروح
وكل ما جات ذكراك ينوح
بالسهل والوديان يدوح
حالو حال قيس بن الملوح
قال: عندما نتحدث عن الطير ، يجب الأ ننسى نصيبنا من التراث كحالة ذلك المحب في سعيه لقرب المحبوبة:
أبقى زرزورن غِتيِّت
وفوق عمود الكُجرة ابيِّت
وانقد أم راس في السِبيِّطِ
حالتي حالة زول مودِر
لاني حى أنا لاني ميت
سألته : ماذا عن طائر الشؤم لفرانسيس دينق؟؟
قال : كان يستعير مثلي ‘طائرالشؤم نذيرا بالإنفصال. في الهند عندما كنت سفيرا بها ، كانت لي اسهامات في بعض الصحف حيث شبهت في مقال لي الصحفية أمانبور بطائر البوم وهي تطل مرارا ناعقة عن دارفور وكان عنوان المقال Amirpour and the Owl . شتان ما بين سوداوية ذلك الطائر وبهاء الكراكي في وطننا وهي تحلق كأملاك سماوية في فضاءات جزيرة توتي حين وصفها شاعر الوجدان والخلود التيجاني يوسف بشير:
وصــــــــــاح بين الربـــــــــي الغر عبقري اغـــــــــــر
وطـــــــــاف حولك ركـــــــــب من الكراكي غـــــــــر
كــــــــــم دا تمــــــــــازج فــن على يديك و سحـــــــــر
طلبت منه ايراد بعض افادات الطيور العائدة إلى مواطنها عن السودان فقال: أذيع أن طائر قال بعد وصوله عن السودان: هذه إحدى جنان الكون. عجبت لإمرأة في أريافهم عندما أزمعت الرحيل جاءت ودموعها تبلل خديها بطبق من حبوب حمراء لا هي بالذرة ولا القمح .. تدخلها إلى فمك فتتحول إلى مسيل من العسل البري...قدمتها لي معتذرة بتأخرها عن الوداع. وقالت أنثى طائر قطبي قبل أن تندس في غابات الصنوبر التي قدمت منها ...تعجبني غاباتهم وإن لم أتميز أصوات حيواناتهم. في غابة السنط على نيلهم الأبيض محميات طبيعية للطيور ومنها طائر غريب يأتي إلى الغابة كل عام ليقضي بها يوما واحدا فقط وربما كان يحمل رسائل إلى الدول ممهورة بتواقيع طيور العالم بأن هجرة الطيور لم يعد سببها تغير المناخ وإنما التدهور البييئ في مواطنها. لم أتمكن بالطبع من لقاء ذلك الطائر الغامض. التفت حوله طيور كثيرة منها السوداني ومنها الأجنبي ويومها وقف عصفور سوداني مفوه يرتدي جبة وصديرية وسيف وسكين ليهدي الضيف العابر تسجيلا قديما ليا بلدي يا حبوب . رأيت الطائر الغامض يهز رأسه طربا وعجيا ووردي يأتي على ذكر البيت:
يا غابة قمحية
مشرورة فوق البلود زى الصباحية
يا مزرعة باباى
يا غضبة الهبباى
يا نخلة مسقية
من ريق دغيشية
علمت فيما بعد أن ذلك الطائر هو أحد الأمراء الكبار في مملكته وأنه سيأمر بإعداد مسكوك فضي كعملة جديدة في مملكته اسمها "حبوب" وأن ذلك المقطع سيدخل ضمن تركيبة النشيد الوطني في مملكته!!
مضى سعادة السفير في تقديم بلاغات مشحونة بالحب عن إفادات الطيور العائدة إلى مواطنها عن السودان مضيفا: سُمع عن طائر عائد إلى مضيق البسفور والدردنيل أنه لم ير في حياته عبر العالم عشبا وقمحا كالذي تملكه هذه البلاد. وشكى طائر آخر من تغير منطقة مدارية كانت غنية بفاكهة حمراء ، غير أن أخرى هدأت من روع أختها بضرورة الذهاب في عامهم وموسمهم القا دم لمنطقة أخرى في ذلك البلد الذي لم يخلق مثله في البلاد. أوصاني أحد شعرائهم أن علىَّ بعد التزود من مياه النيل ، أن أمر على بيت صغير من شباكه يلمع ألف نور....بتلقى الحبيبة تشتغل منديل حرير لحبيب بعيد .... تنزل إليها وتبوس يديها ...وتنقل إليها وفايا ليها وحبي الأكيد. قال تعبت أجنحتي من السفر ولكنني أخذت بوصيته وزدت سرعتي!!
قلت له:سمعت أن طائر ا آخر وسيم يطل عشه على مضيق جبل طارق صرح لاحدى القنوات الفضائية التي تبث برامجها بلغات الطيورالاجنبية والنحل قائلا: لم أر أطيب وألذ من المانجو واللارنجة والجوافة هناك. إن كل إقليم في تلك البلاد ينتج مانجو مغايرة ومهرجان المانجو السنوي هناك يفوق الألف صنف تماما كمهرجان الزهور . حتى الصحراء هناك لها فاكهتها. والناس هناك يطرزون أغنياتهم بالطيور الجميلة والورود وأسراب الحسان.
قلت مضيفا: بعض نوارس البحر شوهدت في حفل خطابي في مدينة مونتري على ساحل المحيط الهادي في كاليفورنيا ، تتحدث عن نكهة القهوة على شاطيء البحر الأحمر. قال متحدثهم : لم أر في حياتي أطيب وألذ من أسماكهم والجمبري هناك يسمى الجامبو لكبر حجمه. مياه البحر من أصى المياه التي عرفناها كطيور بحرية ولاليء البحر مغرية وللمحار همس ولغة نعرفها ونجيدها نحن معشر طيور البحر .منذ أن وصلنا إلى هناك ، عسكرنا بالقرب من مقهى صغير معروش بالقش . دعني اقول أنه كان معروشا بالود والضيافة. لا زالت ترن في أذني أغنيات أدروب وادريس الأمير وسيدنا بيرق ومحمد البدري وترانيم البحارة وصدى بعيد من طنبور آدم شاش.. سوي الجبنة يا بنية في ضل الدهاوية!!! منذ أن وصلنا فتحوا لنا صوامع الغلال وأولموا لنا في جزيرة سواكن .ولما كنا طيرا بحريا لا يلقط الحب ، تولى المهمة سرب من قطا الجزيرة العربية وقماري من جهة البرازيل. إنني لن أنسي تلك البلاد ...حتى الطير يجيها جعان ومن أطراف تقيها شبع!!!
قال: سأروي لاحقا عن هدهد مهاجر من جهة الهضبة الإثيوبية ليحكي لنا عن مذكرات لأحد أسلافه في بلاط الملك النبي سليمان وقصة عرش بلقيس.
قلت وفي القلب تحتشد ذكرى حبيبة للزهرة الجديدة أديس أبابا : كتبت صحف الطير في خليج عدن مقالا لطيفا عن أحد أمراء الطير يحكي انطباعاته عن تلك البلاد: نحن نحيها لأنها تجاور السودان وتشبهه سحنات وألحان وملامح. عندما اتخذنا طريقنا صوب المدينة ، كان الضحى يستاذن على أستحياء طارقا على أبواب مدينة أديس أبابا، و محاولا الترفق بالغيم ليبث من خلاله شعاعا حنونا من ضوء الشمس. ذاك شعاع يعين به الزهور الناعسة على جانبى الطريق على التفتح والاتساع كجزء من النشاط اليومى لحركة الخضرة والزهور على تلك الارض الخصبة .
قال: قالت أنثى طير عجوز بعد أن عادت إلى عشها في غابة الخيزران اليابانية ، شعرت يوما بحمى عارضة ، فأوصاني شيخ عجوز عند مقرن النيلين بأن ابتردي في ماء النيل الأبيض وعندما فعلت عاد لي زهو الصبا . عندما أشرب من مياه دميرتهم في مواسم الخصب والإبهار ، ألوذ إلى جبال ساحرة تعصمني من الماء أو أصعد ذرى قباب شيوخهم وتلك قصة أخرى ، فقد صرنا جزءا من تراتيل الفجر وابتهالات المداح.
قلت مضيفا: قال طير ملون يسافر عادة بين النيل ونهر الأمازون : يوم خطوبتي تزامن مع مهرجان غنائي أقامته قروب واتساب لطيور الجنة في جزيرة أم الطيور. تغيبت بعض القماري عن حضور الحفل لإشتراكها في مفاوضات لإثناء نهر القاش عن نيته في اكتساح المدينة العاشقة كسلا. وافق النهر بعد جهد بشرط السماح له باهداء بعض السنابل وشتول المانجو لعدد من الأطفال في منطقة المناصير ، علم عنهم إطعام طيور الدباس وتنظيم حملات وطنية لمناهضة استخدام أشراك الطير. يا لهم من أطفال نجياء فقد كونوا مجموعة على الفيسبوك كتبوا فيها:
قد كان عندي طائر في قفص من خشب
جميل شكل ريشه حلو طويل الذنب
وكنت لا امنعه من مأكل أو مشرب
ففر عني ومضى من دون ادنى سبب
وقال لي حريتي لا تشترى بالذهب
قلت متذكرا إحدى روايات الطيور الأجنبية العائدة إلى مواطنها عن السودان: أحد طيور الحجل العمانية ذكر في عرض سياحي قدمه نيابة عن طيور الحجل : الطيور هناك لا تزاحم السرب الزائر في المرعى . إنها تفسح له المكان وتهدي إليه من حواصلها بل وتهبه من صوانيها الكبيرة المنثورة على الطرقات كأعياد يومية لإطعام الغاشي والماشي . تلك صواني مملوءة ببركات الصوفية وهمهمات المادحين وبركات الصالحين .أذكر أنه في ليلة عاصفة انهار عشي فقاسمتني دباسة من قرية الأركي-مركز مروي عشها الذي بنته على نخلة بركاوي على الجدول. الطيور الأجنبية التي قضت فصل الخريف في ربوع بلادنا عاد بعضها عاشقا من الوطن ، ففيما يروى أن كنارا عائدا سٌمع يغرد بشجو محزون وعين دامعة فسأله أحد رفاقه: لم الحزن وقد عدت لتوك من رحلة استشفاء بين النيلين..؟ أجاب : تمنيت لو أنني ولدت هناك على أيكة أو بانة أو رمانة أو حرازة أو نخلة أو تبلدية . وها أنذا أعود اليوم والحبيبة هناك على نيمة ضمن مجموعة أشجار ظليلة تحيط بمسيد للقرآن الكريم . إنني أرجو أن تذهب بركات ذلك المكان حزني فأفرد أجنحتي عرض الريح ، العام القادم نحو مضارب الحبيبة...حتى لا تضيع سنيني في الأسى أو يذهب عقلي من آلام البعد والحنين. وغنى كما التيجاني جانحا إلى مزهره ومنتزعا منه ملاحن فيها الهوى والألم بعين دامعة على لسان العطبراوي:
في الأسى ضاعت سنيني
فإذا مت أذكريني
كل صداح على الأيك يغني لحبيبو
وأنا يا هاجري في هذه الدنيا غريب
ذهب العمر وما لي من لياليكي نصيب!!
وهنا اختتم سعادة السفير مساجلة الطير متحدثا عن عصفور في طريقه إلى موطنه عائدا من السودان : عندما ابتعدت في رحلة العودة عن ملتقى النيلين الذي بان مظهرة كباقي الوشم في باطن اليد، قلت لنفسي لماذا إذن نغادر هذه الأرض الفاتنة؟ وأجبت سريعا أن حالتنا هذه مثل الشهيق والزفير الذي يدخل ثم يخرج ويهب الحياة....يا له من وطن!!