بغرب الدامر ، حيث خلاوى القرأن مشتعلة نارها لاتطفاء, وضعت تلك البذرة الطيبة فأنبتت نباتا حسنا, هناك ترعرع  و درس  و انطلق منها بحثا عن العلم فى كل مكان, فعرفته الجامعات و المعاهد وحلقات العلم، و انتبه الناس فى كل مكان ينطق فيه بالضاد لذلك السفر البليغ الفصيح، ذلك الينبوع الصافى من ارض النيل ، فطبقت شهرته الآفاق و اصبح اسمه على كل لسان، و ظل مع ذلك على تواضعه الجم.

   ليس افضل عند الله من عالم عامل، يقول سبحانه و تعالى فى سورة المجادلة (يرفع الله الذين آمنوا منكم و الذين أتوا العلم درجات)، لقد كان من الذين أتوا العلم و أمسكوا بناصيته فتفردوا فيه ، و أصبح اشهر من علم على رأسه نار , وعلمه كان علما نافعا و سيبقى من خير الصدقات التى ينتفع بها.

   عندما اقعده المرض طوال العامين السابقين كانت قلوب و عيون محبيه من جميع الاصقاع متعلقة بالمذياع و وسائل الاخبار عساها تلتقط خبر شفائه و معافاته حتى تنهل من مزيد علمه، و كذلك الذين عرفوه عبر المذياع فقط بصوته الآسر و هو يحمل كل تاريخ العرب بين طياته بما فيه من أمثال و حكم و أشعار و أنساب و أيام. و لكن خبرنا الناعى فى ذلك المساء بغياب الشمس التى من حب الناس لها تمنوا آلا تغيب:

فحملنا على التكذيب تصديق نعيه     وسدت له الاسماع و إنصرفت صدا

 

و لما افاق الجمع من هول المصاب و عظيم الفقد ، و عاد لهم إيمانهم أدركوا أن:

لابد من فقد و من فاقد      هيهات مافى الناس من خالد

 

و لسان حالهم يقول:

أردنا لك الدنيا القليل بقاؤها     وربك فى الاخرى أراد لك الخلدا

 

لقد كان سفيرا للسودان بما حمل من علم و أدب، بل كان حجة يحتج بها فى كل عالمنا العربى فى شتى ضروب اللغة و الأدب و تاريخ العرب و شعرهم ، و يكفيه (المرشد الى فهم أشعار العرب) الذى اصبح دليلا لا غنى عنه لكل متخصص ، و ركنا ركينا لا تكتمل اى مكتبة عربية إلا به، و توج ذلك بأن تم ترشيحه و إختياره لجائزة الملك فيصل العالمية فى مجال دراسات الأدب العربى فنالها عن إستحقاق إعترافا بفضله و عطائه المميز. و تناوله لأشعار العرب لم يكن مجرد شروحات يقوم بها أى شارح, بل كان له اسلوبه المميز الذى يقودك بسلاسة فى تلك الدروب جل أن تتوفر لغيره، و كذلك النظم الذى تجلى فيه كثيرا, فأبدع و أمتع بالرصين من الشعر و الأدب، فكأنما فيه قيل :

سحبان يقصر عن بحور بيانه     عجزا و يغرق منه تحت عباب

و كذاك  قس  ناطق  بعكاظه     يعيا   لديه   بحجة   و جواب

 

ومن ذلك قصيدته الرائعة ذكرى النيل كتبها وهو بلندن يتلقى العلم و قد طال مكوثه هناك، فانقسم بعض أصدقائه حوله، بعضهم يرى بأنه قد تفرنج و إختلط بثقافة الغرب و تأثر بها و نسى بلاده، والبعض يراه لايزال مستمسكاً بحبه و إنتمائه لوطنه لما عهد فيه، فلما علم بذلك كتب قائلاً:

بلندنَ ما لى من أنيس و لا مالى

و بالنيل أمسى عاذرى و عُذالى

ذكرت إلتقاء الأزرقين كما دنا

 أخو غزل من خدر عذراء مكسال

ينازعها كيما تجود و ينثنى

و قد كان محبورا مُأنس آمال

إذا الأبيض الزخار هاج عُبابهُ

 له زجلٌ من بين جال الى جال

تُرافقه من فوقه قزع الطخا

فتحسبهُن الطير تهفو لأوشال

يا حبذا تلك السواقى و قد غدت

 بالحان عبرى ثرة العين مثكال

و شوك السيال يلمع النور فوقهُ

 طرائق مثل الذر فى الآل

آلا ليت شعرى...

 هل أبيتن ليلة بكثبان دار و الاحبة أحوالى

وهل أسمعن الدهر تغريد طائر..

 و بالفجر ترجيع المؤذن و التال

 

و لم يقف حد علمه عند ذلك ، بل كان مفسرا لكتاب الله معجزة الاسلام الخالدة و الذى جاء مخاطبا  للعرب و متفوقا عليهم فى أقوى ما افتخروا به وهو لغتهم العربية وقدراتهم العالية فى أساليبها المختلفة، وكان تفسيره للقرأن الكريم  تفسير العالم بأسرار اللغة و بحورها، مبينا للكثير مما خفى على الناس من الإعجاز فيه.

ومع كل هذا الجهد و الزخم العلمى كانت له إلتفاتات رائعة هنا و هناك، و كان للأطفال فيها نصيب من علومه فأمتعهم و أمتعنا فى (الأحاجى السودانية) بروائع قصص الخيال و التراث القديمة و التى حوت بداخلها الحكمة بأسلوب جمع بين العامية السودانية و العربية الفصيحة، و هذه القصص التى غالبا ما تبدأها الجدة فتقول :

حجيتكم ما بجيتكم

خيرا جانا و جاكم

أكل عشاكم..

و جرى خلاكم

يقول عن هذه الأحاجى فى مقدمته لها (كانت الجدات فى زمان مضى يسلين أطفالنا بعيد المساء بحكايات و مسائل من الأنس يقال لها الحجا بضم الحاء المهملة، و أصل ذلك من الحجا بكسرها وهو العقل و الذكاء، و كان من الإرب فى هذه الحكايات شحذ الاذهان و إدخال السرور على نفوس الصغار ريثما يغلب عليهم النعاس، وفى ما يلى حكايات راعينا فيها الطريقة القديمة و حرصنا على أن نحتفظ بكثير من عباراتها من أسجاع و ما أشبه)

 

لقد كان عالم السودان الجليل المغفور له برحمة الله عالما بحق يندر وجود أمثاله، و سيظل أثره لأجيال قادمة قويا و حاضرا، وكما جاء تعريف سيرته فى السفر القيم للدكتور عون الشريف قاسم (موسوعة الأنساب و القبائل فى السودان) فالبروفيسور عبدالله الطيب هو:

 

(عبدالله الطيب بن عبدالله بن الطيب بن محمد بن أحمد بن محمد المجذوب. ووالدته عائشة بنت جلال الدين بن الطيب بن أحمد بن محمد المجذوب. ولد عام 1339ه/1921م بغرب الدامر و تعلم ببربر و الدامر و كسلا و كلية غردون و بخت الرضا و جامعة لندن حيث حاز على الدكتوراه عام 1950م. إشتغل بالتدريس ببخت الرضا و كلية الخرطوم الجامعية وجامعة الخرطوم، و أصبح مديرا لها و لمجلس إدارتها، أُنتدب الى نيجيريا حيث أنشاء كلية عبدالله باييرو بكانو، و درس بجامعة الملك محمد بن عبدالله بفاس، وهو عضو عامل بمجمع اللغة العربية بالقاهرة1961م ورئيس مجمع اللغة العربية بالسودان و تولى مناصب علمية و أكاديمية كثيرة ، له عدد ضخم من المؤلفات و دوواوين الشعر منها: المرشد الى فهم أشعار العرب، من نافذة القطار، إلتماسة عزاء، المتنبئ، ذكريات، أصداء النيل، بانات رامة، الحماسة الصغرى، الأحاجى السودانية، سمير التلميذ و غيرها. كما قام بتفسير القرآن و بثه خلال المذياع، وطبع منه الجزء الثلاثين. تزوج الإنجليزية قريزلدة أستاذة الفنون والرسم أسلمت و تسمت بجوهرة.)

فاليرحم الله البروفيسور عبدالله الطيب و يتقبله مع الصالحين و يثيبه بقدر ما قدم لوطنه السودان و لمحبى العلم فى كل مكان، وكما قال الإمام السبكى فى مرثيته:

مصابٌ ليس يشبهه مصاب      لذى الألباب إذا فقد الشهاب

إمامٌ  قد  حوى من كل علم      كنوزاً نحوها يسعى الركاب

ليبكى  كل  ذى  علم  عليه      فكم  علم  له  ضم   التراب

 

 

أخر الكلام:

قال صلى الله عليه و سلم ( يوزن مداد العلماء و دماء الشهداء يوم القيامة فلا يفضل أحدهما على الأخر، و لعدوة فى طلب العلم أحب الى الله من مائة غزوة، و لا يخرج أحدٌ فى طلب العلم إلا و ملكٌ موكل به يبشره بالجنة، و من مات و ميراثه المحابر و الأقلام دخل الجنة)

 

 

بشير الحاج أبوسالف   يوليو2003م

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.